ثقة المستهلك الأمريكى فى ظل حرب تجارية وأجازات رأس السنة

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinmaxFX
    FinmaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

Contents

ثقة المستهلك الأمريكى فى ظل حرب تجارية وأجازات رأس السنة

توقع ثقة المستهلك الأمريكى

ثقة المستهلك الأمريكى يوافق غدا الموافق 31/12/2020 اخر يوم فى العام الحالى والذى

يعد هذا أحد أهم المؤشرات الاقتصادية الهامة التى تؤثر فى اسعار الدولار الأمريكى

والاقتصاد الامريكى لما يعكسه من مستوى ثقة الافراد فى النشاط الاقتصادى. والذى يخفى

عن البعض من متابعين هذا المؤشر الاقتصادى انه عبارة عن مسح لحوالي 5000 أسرة

حيث يطلب من المشاركين تقييم الأحوال الاقتصادية الحالية وتوقعاتهم المستقبلية وتتضمن

التساؤلات مدى توافر العمالة وظروف الأعمال والوضع الاقتصادي بشكل عام من وجهة

نظر هذه الأسر. تؤثر ثقة المستهلك تأثيرا قويا على الأسواق المالية سواء سوق الأسهم أو

السندات حيث يمثل الإنفاق الاستهلاكي ثلثي النشاط الاقتصادي. وإذا كان المستهلك غير

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinmaxFX
    FinmaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

واثق في النشاط الاقتصادي فلن يقوم بشراء السلع. لذلك تؤثر الثقة على الإنفاق الاستهلاكي

الذي يؤثر بطبيعة الحال على النمو الاقتصادي. وبالنسبة لأسواق الأسهم ينعكس النمو

الاقتصادي القوي في تحسن أرباح الشركات وارتفاع أسعار الأسهم. أما بالنسبة لسوق

السندات فيركز على النمو الاقتصادي وهل يسير بشكل جيد يؤدي للتضخم أم لا. وغالبا

ما يكون هناك حدا فاصل لسير الاقتصاد نحو نمو وقوي ونمو مفرط. ونتيجة لأهمية

المستهلك بالنسبة للاقتصاد تحرص الأسواق دائما على معرفة توجهات المستهلك

في المستقبل القريب. فكلما زادت ثقة المستهلك في الاقتصاد كلما زاد إنفاقه. يعتبر

ارتفاع القراءة إيجابيًا للدولار، فيما يعتبر تراجعها سلبيا للدولار. تصدر نتيجة هذا

المؤشر بصفة شهرية في يوم الثلاثاء الأخير من الشهر.

كن انت من يكتب التحليل الفني .. بادر بالاشتراك في احدي دورات التعليمية للتحليل الفني.

ثقة المستهلك الأمريكى فى ظل حرب تجارية وأجازات رأس السنة

تأثير مؤشر اسعار المستهلكين فى ظل حالة القلق بسبب التأثيرات السلبية التي يمر بها الاقتصاد العالمى لتداعيات فيروس كورونا وبسبب استمرار الإصابات والوفيات التي مازالت تحدث في العالم هناك تغيرات

نتيجة مبيعات التجزئة الامريكية لشهر فبراير فى ظل خفض الفيدرالى لأسعار الفائدة.

نتيجة مبيعات التجزئة الامريكية غدا الثلاثاء الموافق السابع عشر من فبراير يصدر مكتب الاحصائيات الأمريكى تقرير مبيعات التجزئة عن شهر (فبراير) لكى يعلن فيه عن التغير الشهري في القيمة

قرار الفائدة الاوروبية بين التثبيت والتحفيز بسبب كورونا

قرار الفائدة الاوروبية بين التثبيت والتحفيز بسبب كورونا يجتمع اليوم الخميس الموافق الثالث عشر من مارس لعام 2020 البنك المركزي الأوروبي لتحديد سعر الفائدة قصيرة المدى وتصدر نتيجة هذا الاجتماع

نتيجة مؤشر اجمالى الناتج المحلى فى ظل التحركات العنيفة للأسواق العالمية.

نتيجة مؤشر اجمالى الناتج المحلى فى ظل التحركات العنيفة للأسواق العالمية. نشهد غدا الثلاثاء الموافق العاشر من مارس لعام 2020 إعلان قيمة إجمالي الناتج المحلي في المملكة المتحدة عند الحادية

مبيعات التجزئة الاسترالية بعد تخفيض الفائدة وسيناريو الصعود.

مبيعات التجزئة الاسترالية. نتابع غدا الجمعة الموافق السادس من مارس للعام الجاري 2020 فى تمام الثانية والنصف صباحا بتوقيت القاهرة (GMT +2) الإعلان عن نتيجة “مبيعات التجزئة” الاسترالية أو المعروف

تأثير نتيجة مؤشر ثقة المستهلكين الامريكية ونظرة إيجابية على الدولار.

ثقة المستهلكين الامريكية وايجابية تنتظر الدولار تصدر غدا مؤسسة “كونفرس بورد” الثلاثاء الموافق الخامس والعشرون من فبراير لعام 2020 فى تمام الساعة الخامسة بتوقيت القاهرة (GMT+2) نتيجة مؤشر ثقة المستهلكين

السعر بعد البريكست وتوقع تأثير نتيجة المؤشر مبيعات التجزئة

السعر بعد البريكست وتوقع تأثير نتيجة المؤشر مبيعات التجزئة نتابع غدا الجمعة القادم الموافق 21 من فبراير للعام الجاري فى تمام الحادية عشر والنصف صباحا بتوقيت القاهرة (GMT +2) الإعلان

اعانات البطالة البريطانية وتأثيرها على الجنيه الاسترلينى هذا الاسبوع

اعانات البطالة البريطانية وتأثيرها على الجنيه الاسترلينى هذا الاسبوع يصدر غدا الثلاثاء الموافق الثامن عشر من فبراير مكتب الإحصاء البريطاني في تمام الحادية عشر صباحا بتوقيت القاهرة (GMT +2) مؤشر

مبيعات التجزئة الامريكية وضعف الدولار

مبيعات التجزئة الامريكية وضعف الدولار غدا الجمعة الموافق الثالث عشر من فبراير يصدر مكتب الاحصائيات الأمريكى تقرير مبيعات التجزئة عن شهر (يناير) لكى يعلن فيه عن التغير الشهري في القيمة

اعلان إجمالى الناتج المحلى لبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الاوروبى

اعلان إجمالى الناتج المحلى لبريطانيا نشهد غدا الثلاثاء الموافق الحادى عشر من فبراير لعام 2020 إعلان قيمة إجمالي الناتج المحلي في المملكة المتحدة عند الحادية عشر والنصف صباحا بتوقيت القاهرة

الشركات أم البنوك ؟! أين وكيف وأيهما الافضل لفتح حساب تداول

احصل علي الاجابة بما تتوافق مع هدفك الاستثماري مع محمود حسن – الخبير المالي

تقارير فنية واقتصادية

التحليل الفني الأسبوعى …. ترقب بيانات التوظيف الأمريكي

اسعار العملات | هبوط قوية في انتظار الدولار الأمريكي امام الفرنك السويسرى

صمود الين الياباني و قرار الفيدرالي اليوم | التحليل الأسبوعي الفني

مؤشر واكسبرت حورس

كل ما يحتاجه المتداول

العروض

تاريخ تداول البترول واهم المحطات السعرية التى أثرت على اسعاره.

نتعرف فى هذا الويبينار على مجموعة من المعلومات التاريخية والمستقبلية التى سوف تؤثر على اسعار البترول كما سنتعلم ما الفرق بين انواع البترول العالمية وما الفرق بين الاسعار الحقيقية واسعار العقود الاجلة.

عناصر الويبينار :
1-معرفة تاريخ تداول البترول واهم الدول المتحكمة فى صناعته.
2-معرفة الفرق بين انواع الخام البترولى فى العالم.
3-معرفة ما اذا كان هناك علاقة بين اسعار الذهب واسعار البترول
4-ما هى علاقة البترول بالدولار الكندى.
5-نستكشف سويا اسباب التغيرات السعرية القوية التى حدثت ونتوقع ما سيشهده البترول الفترة القادمة.

مدرسة تعليم الفوركس

الجهة القانونية

وثق كافة تعاملاتك وعقودك في البنوك، بالإضافة الي رفع دعوات قضائية بحالة النزاع ، سجل بالقسم القانوني الان

 قضايا

كنوز العراق.. في زمن الكساد النفطي؟

(ان الارنب لا يخاف من الاسد لأنه اذكى منه: كتاب كليلة ودمنة)

كان النفط وما زال مصدراً اساسياً لدخل العراق ومعظم دول الشرق الاوسط وبالأخص دول الجزيرة العربية، ولعقود طويلة لم يحقق النفط لأي منها وجوداً معنوياً ولا قوة اقتصادية مرجوة، فمعظم الدول العربية استنزفت عوائد التصدير منذ اكتشاف النفط في اليمن (الحديدة) في العام 1912 وانتاجه في العراق 1925 وبعده دول الخليج الاخرى الى يومنا هذا في الاستهلاك والانفاق غير الانتاجي الا ما ندر، بل على العكس اصبحت هذه العوائد وبالاً على اغلب الشعوب العربية حين ساهمت بصناعة الجمهوريات المستبدة والمماليك المتوارثة والحروب المفتعلة ناهيك عن اشاعة ثقافة الاستيراد السلعي والاتكالية والاستهلاك الفاحش والوظائف غير المنتجة، ولم يفلح نفط الجزيرة العربية بصناعة ناتج قومي مستقر واستثمارات حقيقية تضمن للأجيال حياة كريمة ومستقبل مقبول في ظل تنامي المنافسة في العالم في التصنيع والابتكارات وتطوير المهارات، عدا بعض المحاولات القليلة من بعض دول الخليج في الاستثمارات الزراعية خارج اراضيها القاحلة او محاولات متأخرة لدعم قطاعات النقل والموانئ والمدن التجارية والسياحية بالاستفادة من عوائد النفط، وباستثناء ذلك لم تزل البطالة تشكل القاسم المشترك لحوالي ثلث او اكثر من القوى العاملة في هذه البلدان.

كما ان من نتائج الاعتماد على الريع الأحادي من تصدير النفط هو ما نشاهده من اجيال كسولة انتجتها التخمة المالية وافواج من العاطلين والموظفين الخاملين لن لم يكونوا فضائيين بعد ان توقفت نشاطات الانتاج والتصدير واستعيض عنها باستقدام العمالة الاجنبية والاستيراد السلعي لجميع الحاجيات الى درجة انك لا تشاهد في الاسواق سوى باعة يملئون الاسواق الرئيسية والفرعية والازقة بل اصبح بيع المستورد يملئ الدور التي توصل الطلبات الى ابواب منزل المستهلك. وشمل ذلك جميع انواع السلع حتى وصل الى استيراد الخضروات والزهور والالبان والمياه المحلاة وحتى ملح الطعام والاكياس الورقية والنايلون، هذه الحال تركت المجتمع المؤلف من 40 مليون انسان عراقي بين سندان الموازنة المرتكزة على اسعار النفط ومطرقة البطالة والبلادة الانتاجية لدى شعب صنع العجلة وشرع قانون حيازة الارض ورعايتها وانتج الحرف الذي استفادت منه البشرية في صناعة حاضر مشرق بالإنتاج والابداع والاكتفاء بينما اكتفى هو باستيراد ما تنتجه البلدان ولم يستخدم يده سوى بأنفاق ما تجود به الموازنة من راتب شهري مهدد في السنوات القادمة، ما دام الصناعي اصبح كاتباً والمزارع اصبح موظفاً والموظف اصبح مستهلكاً، ان هذا الحديث يبدو ثقيلاً على مجتمعاتنا لكن بمجرد النظر الى مزايا العراق وتنوع موارده الطبيعية وثرواته البشرية المتمثلة بالعقول الخلاقة القادرة على التأقلم مع متطلبات المراحل الحرجة سيدرك القارئ ان في الكلام وجهة نظر. بعد ان ظهر حجم الجمود الذي انتاب هذا الشعب الحي بداعي الوفرة المالية المتأتية من النفط، بينما اثبتت تجارب الحروب والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الفائت، لكن مقارنة تلك القدرات القومية الرهيبة مع الانتاجية الصفرية الحالية التي وصل اليها العراقي

ومع اقتراب نهاية قرون من اعتماد العالم على استهلاك الوقود الاحفوري في توليد الطاقة فان جائحة كورونا اعطت انذاراً مبكراً واخيراً للدول التي اعتمدت طويلاً على عوائد النفط، اذ من المؤمل ان يتضاءل الاعتماد على مشتقات النفط في العام 2035 ، وبحسب خبراء الطاقة فان آخر سيارة تعمل بالبنزين ستصنع في العام 2034 واليك ان تتصور ما ستكون عليه حال الصناعة النفطية بعد 14 عاماً من الان.

ان الحديث عن واقع اقتصادي مؤسف دون اعطاء اشارات نجاة يبدو بلا طائل، لذا سنعرض جزء من الامكانات الاقتصادية والانتاجية في العراق لنرى هل نحن شعب سوف يفلس اذا رفعت عنه عوائد البترول؟؟ كما سحاول ان نضع خطوط عامة للحلول التي بأيدينا على وفق الظرف الراهن من ولقع المجتمع الاستهلاك وموارد طبيعية وتاريخية مع الاخذ بنظر الاعتبار التضخم السكاني وتقلص حجم المياه السطحية المتدفقة وتصحر الاراضي الزراعية، ولتكن البداية من مصادر دخل غير مرصودة كثيراً، ولعل اهم الموارد الوطنية التي ينبغي العمل على وضع الخطط التنموية لها مستقبلاً ما يلي:

1- تفعيل مبدأ صناعة الفرد المنتج ودحر ثقافة الاستهلاك: ان اول ما يراد تطبيقه هو تغيير نمط التعامل مع الموارد عن طريق استقطاب ورعاية الابداع الانساني وتوجيهه الى العمل بمختلف الانشطة الاقتصادية من زراعة وتصنيع وتجارة وخدمات وبناء وبث وعي مجتمعي لجميع الفئات بضرورة توظيف الطاقات ضمن الفعاليات الانتاجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، واتباع الاسلوب العالمي الحديث القائم على الابتكار والتجديد والمنافسة والبدأ بتطبيق نظريات بحثية وبراءات اختراع ظلت حبيسة صدور اصحابها في مجلدات وكتب ومنشورات ومختبرات الصناعيين والكيمياويين والالكترونيات وبحوث البوليمر والاستزراع والاغذية وكيمياء الادوية والتصنيع الالكتروني والحرفي وغيره من اشكال الابداع العلمي والتخصصي في العراق، والالتفات الى ما لم يؤخذ بايدي اصحابه ومبدعيه من قبل القادة والمسؤولين، ان مهمة ومسؤولية استخراج كنوز العراق الاقتصادية تحتاج الى قيادة رشيدة ومواطنة صالحة واستقدام تجارب عالمية واقليمية ناجحة في ادارة الموارد في زمن الكساد النفطي والاستفادة من خبرات الكفاءات المنتجة سواء العائدة من دول مزدهرة او التي عكفت على التطوير داخل العراق، وهنا لابد من القول ان الاستضاءة بخطوات الاستثمار التي انتهجتها العتبات المقدسة في كافة القطاعات من التجارب الملهمة التي يندر تكرارها، وبالرغم من منطلقاتها بدأت عقائدية الا ان امتداداتها المعاصرة اصبحت ذات جدوى ونفع اقتصادي خدم الجماهير في اهم القضايا المصيرية واصبح الدعم اللوجستي والصحي والتجاري والفكري من السياقات والتجارب المعاصرة التي نحتاج الاستفادة منها، ولعل اهم ما يميزها هو استقلاليتها التامة عن الحكومة المركزية، ان لعب دور مؤسساتي اكبر للمنشآت الاقتصادية يحتاج الى تأصيل وتوظيف ومحاكاة هذه التجربة الفريدة على المستوى الوطني بالإضافة الى التجارب الاقليمية الناجحة .

2- العوائد الاستثمارات البحرية والمينائية: لن ننفق وقتاً في الحديث عن الصيد البحري والاستزراع الساحلي واستثمار الاملاح البحرية وتسخير طاقة المد والجزر التي تحرك المياه بسرع عالية 4 مرات يومياً وامكانية توليد الطاقة، لكن لنتحدث عن القدرات المينائية المحورية للعراق في مشروع عالمي هو طريق الحرير الذي سيغير ميزان القوى الاقتصادية، اذ يهدف المارد الصيني الى لعب دور عالمي اكبر في التجارة بعد تحقيق مشروع الربط البري والبحري والجوي (الحزام-الطريق) الذي يقع العراق في نقطة محورية منه في الربط بين اسيا واوربا وما يمكن ان يصنع من نقلة اقتصادية رهيبة للعراق وتوفير فرص عمل ويكفي ان الكويت التي تحاول الهيمنة على دور العراق في هذا المشروع بنت امالها الكبرى لاقتصاد ما بعد النفط على هذا المشروع، ولنا مقالة تفصيلية نشرت قبل سنة تقريباً فيها تفاصيل هذا المشروع.

3- مورد صناعة السلع الاستهلاكية والتصنيع الحرفي: امتلك العراق لغاية ثمانيات القرن الماضي امكانيات مشهودة في صناعة الحديد والصلب والنسيج والجلود والصناعات الالكترونية وصناعة التكرير صناعة الاغذية والورق وصناعة الادوية وصناعة التجميع وصناعة مواد البناء والزجاج والصناعات الكيمياوية والاستخراجية والتعدين الى درجة كانت تشكل شبه اكتفاء ذاتي في بعض السلع ، ويمكن لهذه الصناعات ان تستوعب ملايين الخريجين والعاطلين عن العمل وخريجي الدراسات المهنية اذا اعتمدت السوق المحلية كمستهلك بالأخص صناعة الهواتف النقالة والكهربائيات ومواد البناء والعقاقير الطبية والسلع الاستهلاكية الاخرى، ولابد ان يكون اسلوب الصناعات الجديدة مبني على الجودة والمنافسة.

4- المورد الزراعي: وهي الحاضر الغائب في المشهد واكثر ما يراد الاسراع بالبدء بها بطرق واساليب حديثة وخطط زراعية لإنتاج محاصيل استراتيجية، ولا داعي للتذكير بـأن معظم العراقيين من اباء واجداد مزارعين اكلوا ما زرعوا وان اكثر من نصف مساحة وطنهم يمكن زراعتها باستثناء ما يمكن استصلاحه من مساحات اضافية ما زالت تنتظر من يعيد لها الثوب الاخضر، اذا ان هنالك امكانية واقعية لاستصلاح مساحات شاسعة من الاهوار والاراضي الصحراوية والمساحات المتروكة او زراعتها بالزراعة الملحية، خصوصاً واننا نتحدث عن ملايين الدونمات يمكن استثمارها بزراعة محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير والذرة وقصب السكر ومحاصيل العلف الحيواني.

5- مورد الرعي وتربية الحيوانات وهذه الحرفة لم تؤخذ القسط الكافي من الاهتمام وكانت ملتصقة بحرفة الزراعة بينما يمكن توسيع العمل بالرعي بشكل مستقل في مناطق واسعة من الهضبة الغربية واراضي التلال وضفاف الانهار وانشاء معامل الالبان والصناعات النسيجية والجلدية بالقرب من المناطق الرعوية ، فضلاً عن توسيع حرفة صيد الاسماك والطيور وتربية الدواجن ضمن مشروعات كبيرة ومنظمة بقصد التصدير.

6- المورد السياحي: ان للعراق تاريخ سياحي منذ 1940 في استقدام السواح الى المصايف لكن ملف السياحة لم يأخذ مداه المؤمل، ولنركز على السياحة الدينية لأنها تحتل المرتبة الاولى من انماط السياحة العراقية »بنسبة 80 % تليها (السياحة الثقافية والأثرية بنسبة 15 % ثم تأتي سياحة الأعمال بنسبة 5»%، وهي من اكبر المدخولات المالية اذا وضع لها استراتيجية واضحة وبيئة سياحية حاضنة، اذ يعتمد عليها 544 ألف شخص بنسبة 3 % من الناتج المحلي لعام 2020، ويكفي ان نشير الى مردود السياحة الدينية مؤخرا كانت بعوائد مالية تراوحت بين (1- 5 مليار دولار)( ⁕ ) بمتوسط نسبة 3.6 % من اكبر عائد نفطي للعراق وهو 83.7 مليار دولار في 2020 ، تأتي من المزارات الشيعية في النجف وكربلاء وبغداد، وقد لا نتصور حجم المدخولات الهائلة والمردودات الكبيرة اذا تم تنمية هذه السياحة ورفدها بمواقع وانشطة سياحية رديفة وخدمات فندقية وتطوير البنى السياحية المهملة، ومن اهم مزايا السياحة الدينية انها تخدم قطاعات محلية عديدة تبدأ من استيفاء منح تأشيرات ملايين الزائرين سنوياً ونقلهم واسكانهم وتبضعهم وتنقلاتهم.

7- مورد تحلية المياه البحرية وانتاج الطاقة الكهربائية من الاشعة الشمسية وطاقة الرياح (الطاقة الخضراء) وهي من الانشطة الممكنة جدا في العراق هي ضرورة في مع تنامي الضغط على موارد المياه السطحية من قبل دول المنبع.

ان الباحثين بالشأن الاقتصادي يدركون ان آلية التعامل مع المتاح من موارد يجب ان يكون مبني على خطط تنموية وطنية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، كما يستلزم ذلك اعتماد الاستدامة والحداثة في اساليب الاستثمارات الزراعية والصناعية والتعدينية والخدمية وهذا سيكون ثقيلاً علينا ان بقينا بجمود الهمم وعدم الاهتمام بالقدرات الابداعية وتهميش العقول والتمدد في ساح الملامة على بعضنا، فلا متسع من الوقت للتراخي والتسويف في مواجهة التحدي الاقتصادي الاكبر في قادم الايام.

( ⁕ ) حسن، محسن (2020) السياحة الدينية في العراق: الواقع والمأمول – دراسة وصفية -مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد 32 صفحة.

في ظل جائحة الكورونا: المؤتمرات العلمية الافتراضية للجامعات العراقية

تعد المؤتمرات العلمية واحدة من اهم الاحداث الرئيسية في جدول اعمال العلماء لما لها من غرض مهم في تقديم اعمالهم الجديدة إلى زملائهم بهدف تلقي ردود الفعل في مرحلة مبكرة من أبحاثهم، وبالتالي فهي جزء لا يتجزأ من عملية البحث العلمي والابتكار والتنقيب العلمي. وهي بمثابة مراجعة أقران غير رسمية يمكن أن تساعد الباحثين على تطوير عملهم وتوضيحه وتنقيحه أثناء شروعهم في كتابته وتقديمه للمراجعة الرسمية والنشر النهائي. بالإضافة إلى ذلك، تتيح المؤتمرات للباحثين الاستماع إلى ما يبحثه الآخرون في مجالهم وفي التخصصات ذات الصلة، والتحدث مع الزملاء من مؤسسات مختلفة حول العالم، والتعرف على الأبحاث والأدوات والتقنيات الجديدة التي قد تكون ذات صلة بعملهم. بعض المؤتمرات صغيرة وتركز بشكل ضيق على موضوع معين، في حين أن البعض الآخر يهدف إلى جمع عدة آلاف من العلماء معًا سنويًا. بغض النظر عن حجم الاجتماع، فإن الهدف الرئيسي هو جمع مجتمع من العلماء معًا وتوفير الفرص لهم للتفاعل.

ومع إلغاء المؤتمرات العلمية في جميع أنحاء العالم، يعيد الباحثون التفكير في كيفية الارتباط مع بعضهم. وبدأ يطرح في اوساطنا العلمية سؤال حول “ما هو الهدف من المؤتمرات الآن؟” وعلى الرغم من اننا لن نتوقع حدوث تغيير جذري في الارتباطات العلمية، إلا أن البعض يأمل أن يؤدي هذا على الأقل إلى إجراء بعض التغيرات الحقيقية في طريقة عقد المؤتمرات وأساليب التفاعل بينهم عبرها. ولربما يمكن ان يحدث هذا التحول في جعل حضور المؤتمرات أكثر سهولة لمجموعة أوسع من الباحثين، على سبيل المثال أولئك من الجامعات التي تفتقر إلى الموارد وجامعات العالم النامي.

لجأ العديد من المنظمين والمشاركين إلى التفكير في عقد مؤتمرات افتراضية عبر الإنترنت كوسيلة للاتصال والتفاعل، وتحاكي على الأقل بعض أجزاء الاجتماع الفعلي. وهي بالرغم من الاستجابة الضعيفة لها يمكن أن تكون بداية التحول إلى مؤتمرات يسهل الوصول إليها. هناك عقبات كثيرة لابد من تخطيها وهي كيف تضمن تفاعلا بين الباحثين كما هو يحدث عادة في المؤتمرات والتي يعتبرها البعض اهم من القاء البحوث، فهي كمثل لعبة كرة القدم الافتراضية لا يمكن مقارنتها بلعبة كرة القدم الحقيقية!

المؤتمرات الافتراضية في الجامعات العراقية

في العراق، ومن دون دراسة او استعداد او خبرة، بدأت ظاهرة عقد المؤتمرات الافتراضية تغزوا المجتمع العلمي وبدأت الجامعات والكليات تتسابق لعقدها، لربما لتثبت للعالم ان العلماء والباحثين العراقيين لا تثنيهم إجراءات الحجر الصحي ولا بقاءهم في البيوت، ولربما وجدوا في الغاء عقد المؤتمرات العالمية، وتوقف او تعثر البحث العلمي في العالم غرابة وتعارضا مع المثابرة والجهد والتحدي العلمي الذي اعتادوا عليه في نشاطاتهم اليومية. لكنه لا تبدوا لي هذه هي الأسباب الحقيقية التي دعت الجامعات العراقية الى عقد مؤتمرات افتراضية، عكس ما يجري في العالم من تشاءم حول إمكانية مثل هذه المؤتمرات ان تحل محل المؤتمرات التقليدية وتحقق نفس أهدافها.

ما يبدو لي ان المسؤولين في الوزارة تبنوا قرارا من مثل دفع الجامعات على الاستمرار في نشاطاتها في عقد المؤتمرات وبصورة افتراضية، وهو ما يتلاءم مع استمرار التدريس اون لاين. وطالما ان المشاركة في المؤتمرات لها ما يغديها من دوافع متمثلة في كتب الشكر، والنشر، وشروط التحصيل للشهادات العليا، والترقية العلمية، فأنها لابد ان تلاقي من الترحيب بما يكفل عقدها واستمراريتها بالرغم من ضعف البحث العلمي او حتى توقفه.

كنت قد تساءلت مرات ومرات عن السبب في عقد الجامعات والكليات والاقسام مؤتمرات علمية؟ هل ان الباحثين في حاجة الى اعلام زملائهم بمنتوجاتهم، وانهم بحاجة الى وسيلة للترويج لعملهم؟ أم انه كتعويض لهم لعدم تمكنهم من المشاركة في المؤتمرات العلمية العالمية؟ ام لأنه مجرد تقليد سيء لما يجرى في العالم اعتدنا عليه منذ أيام الحصار في العهد البائد؟؟ من الغرابة ان نجد في العراق هذا العدد الهائل من المؤتمرات العلمية الباهظة التكاليف بالمقارنة بالجامعات العالمية التي نادرا ما تعقد مؤتمرات بنفسها، فالمؤتمرات في العالم تعقدها منظمات ومؤسسات وجمعيات مستقلة تستقطب فيها علماء من كل الجامعات ومن كل البلدان، وتحقق في العادة ارباح للمنظمين. الغرابة في المؤتمرات العراقية كونها مجرد عرض للأعمال الجديدة للباحثين ومن دون مراجعة أقران حقيقية لها، وليس كمجال لتنظيم برامج التعاون العلمي بين الباحثين أنفسهم، وبينهم وبين الشركات ومؤسسات البحث والتطوير، ولا الى رسم خطط لعمليات مشتركة لتحصيل أموال جديدة للبحث العلمي.

التساؤل الاخر الذي طرحته في الماضي والذي لا أجد اجابة عنه هو: هل ان عدد المؤتمرات العلمية في العراق هو انعكاس لكثرة البحوث العلمية واهميتها؟ لو ان المؤتمرات العلمية غير موجودة في العراق، هل ستتأثر نوعية البحوث، وهل يقل عددها وعدد الأوراق المنشورة؟

واليوم وفي ظل هجوم العالم الافتراضي نتساءل عن الدوافع لعقد المؤتمرات العلمية الافتراضية. لربما هناك بعض التبريرات الموضوعية والتي تتمحور حول ضرورة الاستمرار في تقليد اعتدنا عليه سابقا وليس من بديل في أيام انتشار الجائحة الا عقدها عن طريق الانترنت. إذا كان هذا هو التبرير الصحيح أستطيع القول ان هذه المؤتمرات الافتراضية لن تختلف كثيرا عن المؤتمرات التقليدية في الجودة والشمولية والاهمية، ولسبب ان المؤتمرات التقليدية السابقة ما كانت بحقيقتها الا افتراضية فيما عدا الحضور البدني للمشاركين. من هذا المنطلق أرحب بالمؤتمرات الافتراضية لأنها ستوفر أموال عقد مؤتمرات لا تسمن ولا تغني عن جوع. وقد تساعد في تحقيق التفاعل الابداعي بين المشاركين والذي تفتقده المؤتمرات التقليدية، والذي يعتبر في العادة اساسا لنجاح أي مؤتمر. ولربما أيضا لن يتم دعوة المسؤولين من غير الاختصاص، ولا في جلوسهم في الصفوف الأمامية، مما يسمح لأصحاب الشأن من المشاركين من وجود فعلي مبني على الرغبة الحرة فلا يتركون المؤتمر حال مغادرة المسؤولين كعادتهم في المؤتمرات التقليدية. ومن المحتمل ان لا تكون هناك شهادات مشاركة، وعندها ستكون المشاركة للمهتمين فقط. وسيكون رائعا إذا تخلت المؤتمرات الافتراضية عن فكرة نشر الأبحاث التي اعتادت عليها المؤتمرات التقليدية لان مشروع القاء البحث في مؤتمر ونشره عن طريق المؤتمر نفسه لا يعد له اية اهمية كإنتاج علمي، ولا يمكن لهذا البحث من الاعتراف به كإنتاج علمي الا بعد نشره في مجلة علمية.

مع الأسف ما كانت هذه الا كلمات عابرة لا أرى انها ستؤثر في العقلية السائدة لعقد المؤتمرات، ومع هذا، ولربما، سيضطر المنظمون للمؤتمرات الافتراضية من تحقيقها لما تفرضه عليهم طبيعة وشروط التواصل عبر الانترنت.

دعني اتمادى وأزيد في تمنياتي بالدعوة الى مشاريع وفعاليات كتطوير للمؤتمرات او كبديل عنها، وهي كالتالي:

1- اقامة ورشات عمل لتحسين كفاءة الاستاذ والطالب، وتطوير قابلياتهم الابداعية والمهنية.

2- تحسين اسلوب كتابة مشاريع البحث العلمي، وربط اهدافها بالنشر بالمجلات العالمية الكبرى.

3- التخلي عن استخدام عنوان “المؤتمر العالمي” فالعالمية لا تتحقق بمجرد مشاركة عدة شخصيات من خارج البلاد.

4- تجنب عقد مؤتمرات شاملة تضم على سبيل المثال الطب والعلوم والهندسة والانسانيات لان ذلك لا يتناسب وطبيعة المؤتمرات العلمية ويضفي على المؤتمر صفة “بتاع كله” على حد قول المصريين.

5- منع تنظيم المؤتمرات من قبل الكليات والاقسام وتشجيع اقامة المؤتمرات العلمية من قبل مؤسسات مستقلة خارج الجامعات وبتمويل من قبل المشاركين عن طريق استحصال اجور المشاركة.

6- التقليل قدر الامكان من دعوة المسؤولين لافتتاح المؤتمرات، وعدم السماح بحضور المؤتمر لغير المشاركين الفعليين.

7- مقاومة الرغبات في وضع توصيات عامة شكلية لا علاقة خاصة بأهداف المؤتمر، ولا تتوفر الارضية الواقعية لتحقيقها في فترة ما بين مؤتمرين.

8- نشر مختصرات البحوث فقط وتجنب قدر الإمكان نشر البحوث كاملة في اجراءات المؤتمر لان ذلك قد يمنع نشر البحث في مجلة علمية رصينة، كما ان نشر “بحوث” المؤتمرات كاملة يشجع الادعاءات الزائفة والمواد المقتبسة والضعيفة.

بروفسور الهندسة الخلوية، جامعة دبلن

التسارع والتباطؤ وإنتاج المعارف

“نحن مستعدون لتخفيف السرعة لاستعادة السيطرة على مسار الأحداث”

الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا

تشخيص المقدار في كل حركة يعتمد على دقة الشخص ووعيه، وتشخيصه لأهمية كل حركة ودلالاتها ومآلاتها وتداعياتها، قد يقول البعض أن هذه الدقة والتعاطي الشمولي أمر صعب، وفيه تضييق وتشديد على الإنسان.

فالتباطؤ الذي يطرحه هارتموت روزا ناظر إلى الحركة الديناميكية في النمو وخاصة الاقتصادي منه في الغرب، والتي تعتمد على تسارع الإنسان ضمن نطاق زمني ضيق ليحقق أكبر حجم من النمو الاقتصادي، وهو ما أفقده لحظة الوعي للذات، وأدخله في دوامة الوقت والعمل والتشييء، قد تصل حالة التسارع إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن وعي محيطه بشكل واقعي.

لكن سأستغل مفهوم التسارع والتباطؤ في بعده الابستمولوجي (المعرفي)، والذي يعتبر استغلال منهجي يشكل قبلية معرفية من الناحية المنهجية في فهم حركة التسارع والتباطؤ في النمو وفي أبعاد أخرى.

وأعني هنا بالذات النخب والمفكرين المعنيين بصناعة المعرفة وإنتاجها، وما يترتب على هذه الصناعة والإنتاج من تداعيات على مستوى السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. فالمصنع الجيد ينتج بضاعة جيدة وذات جودة عالية، يصبح لها سمعة اقتصادية وسوقية تزيد من نسبة استهلاكها وربح المصنع، والمصنع السيئ ينتج سلع سيئة ذات جودة رديئة، وبالتالي يكون صدى استهلاكها ضعيف، أو يكون مستهلكها من بيئات فقيرة، لا يهمه جودة المنتج بقدر ما يهمه سعرها الزهيد، لذلك يكون عرضة للاستغلال والغش بل قد يعرض صحته وحياته للخطر، لعدم جودة السلعة وضمان نسبة أمان صحي عالية من حيث الجودة الصحية وأهليتها للاستهلاك البشري، خاصة في الدول التي لا يوجد عليها رقابة قوية على جودة المنتجات وأهليتها للاستخدام البشري.

وكذلك المعارف، لكن تختلف المعرفة في كونها تشكل بنية الإنسان الفكرية، وهي التي تدعم وعيه وتبني أسسه، وهي التي توجه سلوكه ليدرك ويميز بين السلع الجيدة والرديئة.

تعتبر المعرفة السلاح الأول في الصفوف الأمامية التي على كل إنسان التسلح بها، لأن الإدراك ووعي الإدراك بالمحيط والذات والوظيفة يحدد سلوك الإنسان في محيطه وعلاقاته، بل يؤسس لمنظومة الحقوق الواجبات، ومنظومة القيم والمعايير والقوانين التي تنظم حياة الفرد والمجتمع في محيطه.

وكما هو معروف أن للمعارف مصادر تستقى منها، هذه المصادر كفيلة بفهم طبيعة هذه المعرفة وقيمتها ومدى مطابقتها للواقع الخارجي، أي صدقها. وتكمن أهمية التركيز على المصادر والتحقق منها وتشخيص قيمتها في أنها القاعدة التي تشكل بنية فكر الإنسان وتحدد مسارات سلوكه وبناه المعرفية، وهذا يدفعنا لسؤال المعرفية وكيفيتها ومنهجها.

التباطؤ والتسارع المعرفي:

ان لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة وما ينشئ عنه من تصورات في الذهن ويخلق دافعية في النفس للعمل، يكون ذا أهمية كبيرة يحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنيته ودلالاته، وما ينشئ بالتالي عن نظمه في خطاب من دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه.

فلكل لفظ دلالة ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لذلك كان الكلام من أخطر وسائل التواصل وأهمها، تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأهميته فيما ينتج عن هذه الصياغة من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

يحتاج الإنسان للبحث ليجيب على مجموعة تساؤلات قد تكون نتاج حراكه في محيطه ونتاج ملابسات واقعه، وهنا يسير الإنسان في عدة مسارات ليجيب على الأسئلة لتتشكل لديه وفق هذه الإجابات معطيات وتصديقات تتحول إلى معارف وأفكار ومعتقدات تحدد سلوكه ومنهجه وما يعتقده، ويحدد مساره في المحيط.

فهو في مسيرته البحثية يذهب من المجهول إلى المعلوم ومن المعلوم إلى المعلوم ومن ثم من المعلوم إلى المجهول ليجيب عن تساؤله.

فالواقع الخارجي يطرح عليه تساؤلات عديدة يجهل إجابتها، بل قد تكون تجاربه المعرفية الخاصة تطرح عليه تساؤلات تتطلب بحثا للإجابة عنها، هذه الإجابة يسافر خلالها الباحث ويكون سفر الباحثين على عدة أوجه:

يبحث خلال ذاكرته المعرفية المخزونة والمتراكمة عبر خبراته وأبحاثه السابقة، ومعارفه المتنوعة المكتسبة والموروثة، ويحاول خلالها الإجابة عن السؤال، وقد يخضع خلال هذه الرحلة لتحيزاته المعرفية أو لمعتقداته الخاصة، أو لبيئته ومحيطه ومعاداته وتقاليده.

يحاول الباحث الخروج من بيئته الخاصة المعرفية والتوسع في الإجابة خارج نطاق منظومته المعرفية والفكرية الخاصة بعقيدته وبيئته وعاداته وتقاليده، ولكن خروجه لا يعني عدم الاستعانة بها، بل هو خروج يراكم هذه الحصيلة، مع حصيلته الجديدة التي يتحصل عليها من البحث في إجابته عن التساؤلات، وأيضا هنا لا نضمن عدم وقوعنا في التحيزات المعرفية، وتطويع الجديد لحساب القديم.

باحث يحاول الإجابة على تساؤلاته منطلقا من قيمة صفر معرفيا، لأن لكل زمن تساؤلاته وإشكالياته في زمن التسارع المعرفي، القيمة الصفرية هذه لا تعني أبدا لفظه للثوابت المعرفية، ولا نكرانه لما تحصل عليه من معارف بالدليل القطعي، بل تعني محاولة البحث بأقل قدر من التحيز للوصول إلى أقرب جواب للواقع، والجواب بطريقة القيمة الصفرية أو ما هو أقرب للقيمة الصفرية، قد يعزز قناعات سابقة ومعطيات معرفية لديه، لأنه استند لمناهج جديدة معرفية ومتسلحا بالخروج من معارفه ومحاولا ترصد الإجابة وفق معطيات واقعية، وقارئا الآراء المتنوعة حول التساؤل محل البحث. فتعدد الآراء وتنوعها هو مصداق لجمع العقول إلى عقله الموصى به بالنص الصادر عن المعصوم ع.

وهنا لا أنكر أن هناك من الباحثين من يبدأ مساره في الشكل الأول من البحث، لكن يتطور معرفيا ومنهجيا وتتراكم معارفه وآفاقه المعرفية ليصل إلي الشكل الثالث من الباحثين، ومنهم من يختصر طريقه في البحث ليكون من الشكل الثالث، وهكذا، ولا ننكر أن التجارب كمصدر من مصادر المعرفة تركام المعارف وتثريها، وقد تكون في مرحلة من مراحل الباحث عائقا معرفيا يشكل له تحيزا بذاته، وجدار صد لذلك يجب أن تكون التجربة ملهمة من جهة، وكاشفة للجهل من جهة أخرى، ولكنها يجب أن لا تشكل قطعا بذاتها إلا إذا رفدت بمصادر معرفية أخرى قطعية الدليل، فكثير من الباحثين من يجعل من تجربته المعرفية الخاصة، قطعا ويقينا معرفيا، يقطع به طريقه البحثي والمنهجي نحو الحقيقة، وهو ما يترتب عليه تبعات معرفية وبالتالي منهجية وسلوكية من قبل من سيخلفه ويأتي بعده وبالتالي من قبل من سيتبنى رأيه ويحوله لمنهج عملي تطبيقي على مستوى الفرد أو المجتمع أو حتى الدولة والعالم كما سنرى لاحقا.

ويأتي كلامنا هنا في هذه الرحلة التي يسلكها الإنسان في مسيرته البحثية للإجابة عما يجهله، وهل كل الناس تسلك هذا المسار؟ أما هنا من يذهب من المجهول مباشرة دون المرحلة الوسيطة ليجيب عن تساؤله بشكل متسارع؟ وهل الذي يجيب عن تساؤلاته ضمن هذا المسار البحثي عن الإجابات يمتلك الأدوات المنهجية السليمة؟ وهل يخلو بحثه من التحيزات المعرفية؟ وحينما يجيب عن التساؤل هل يجيب عنه كمسلمة يقينية خاضعة لاعتبارات الاجماع والمشهور بحيث تتحول إلى دائرة معرفية مغلقة أمام النقد والتقييم وإعادة النظر؟

وهل النقد والتقييم لا يخضع للتحيزات المعرفية ولاعتبارات ذاتية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، خاض الغرب معركة طويلة من العصور الوسطى مع الكنيسة، وكان لفهم الكنيسة ومعارفها دورا بارزا في تشكيل البنية المعرفية للمجتمعات الغربية على مدار قرون، وترتب على هذه البنية صناعة أحداث ورؤى سلبت الكثيرين حيواتهم لمجرد الخروج عن مألوف ومشهور الكنيسة وفهمها للكتاب المقدس، حتى في مجال العلوم والطب والمنطق والفلسفة، كانت الكنيسة هي الناطق الرسمي لها، فالأرض محور الكواكب فهي ثابته ويدور حولها الشمس والقمر، وحينما اكتشف القص برونو أمرا خلاف ذلك تم سجنه وتعذيبه ومن ثم حرقه بحجة الكفر، وهنا لي وقفة في التسارع والتباطؤ المعرفي، فمن جهة كان تسارع الكنيسة المعرفي في تبني قطعيات ويقينيات مغلقة غير قابلة للنقد والتبديل حتى مع وجود أدلة، سببا في مسار تسافلي معرفيا واجتماعيا، بل وحتى على مستوى الحريات وكرامات الناس وحيواتهم، هذا التسارع الذي رسم مسارا للأحداث أدى في نهاية المطاف لانقلاب كبير على الكنيسة وتدريجيا على الدين المسيحي برمته، بل على الدين ككل، ومن جهة أخرى هل يعتبر تسارع برونو في الإفصاح عن رأيه دون امتلاكه دليلا على هذه الآراء ومع ثبوت حقيقة ما تبناه لاحقا، هل يعتبر هذا التسارع محمودا؟ نحتاج هنا أن نتأمل قليلا قبل إطلاق الأحكام. فالكنيسة في تسارعها المعرفي دمرت كل السبل بين الناس والدين غالبا، وبرونو في تسارعه المعرفي فتح كوة في جدار الصمت لمن خلفه للتفكير خارج الصندوق، ولكن ومع ذلك هل إطلاق العنان لأفكاره وتأملاته دون إحرازه دليلا عليها، سواء دليل تجريبي أو عقلي منطقي هل يعتبر تسارعا في غير محله، وكان يمكن أن يمارس التباطؤ المعرفي حتي تكون حجته أتم، وبدل مرور سنوات طويلة عليها بعد موته لاكتشاف صحة ما طرحه، كان يمكن أن تختصر هذه السنوات من خلال تعميق تأملاته وتفكيره وإحراز أدلة تجعل للحقيقة مكانا في عقول وقلوب المحيطين؟

هنا لا يمكننا الجزم في موضوع برونو، ولكن في موضوع الكنيسة كان التسارع المعرفي سببا في تدمير علاقة الناس مع الدين، وفي تأخر كثير من العلوم أزمنة طويلة فوتت على البشرية فرصا للازدهار والنمو، وتأخرت عجلة التطور والنهضة قرون نتيجة التسارع المعرفي الذي حدد مسار الأحداث قبل التأمل في التداعيات والمآلات. الفرق بين تسارع برونو وتسارع الكنيسة، هو في نوعية المعارف، فبرونو امتلك حقيقة ثبتت بعد قتله بسنوات لكنها حقيقة لم يمتلك عليها دليل فهو سلك منهجا معرفيا خارج صندوق معتقداته وعاداته وتقاليد الكنيسة، وخارج المسلمات الاجتماعية والمعرفية العامة، لكنه في ذات الوقت تسرع في إعلان ما لديه قبل إتمام الدليل عليه، وقبل إخضاعه لمزيد من التعميق، ورغم ثبوت صحته بعد مدة زمنية طويلة، إلا أن إثبات هذه الصحة جاء من خلال التدليل عليه بأدلة أخضعت هذه المعرفة للتجربة، وأرفدتها بأدلة كشفت الزيف بشكل قطعي، فلمجرد مخالفتها للإنجيل ” الكتاب المقدس”، ومجرد أن يعبر الإنسان عن فكرة خارج الإطار المألوف، فهو حق له في التفكير الحر دون أن يعتبرها مسلمة مغلقة خارجة عن النقد. وقس على ذلك كثير من العلوم والمعارف التي تسارع أصحابها في تحويلها لقناعات ويقينيات مغلقة أخرت مسار البشرية أو حرفت مسارها، وتسبب ذلك في تقويض العدالة وهدر كرامة الإنسان.

فمسيرة الغرب المعرفية والتي كانت كرد فعل على العصر الكنسي في القرون الوسطى، وتحولاتها في عصر التنوير، وما طرح من قبل كثير من الفلاسفة أثر لاحقا على بنية الدول المعرفية وعلاقتها مع الدين والطبيعة والإنسان، أي في الرؤية الكونية، وفي تشخيص مصادر المعرفة التي تدريجيا أخرت الدين والغيب والعقل من هذه المصادر، وصلت بالغرب اليوم إلى التشيئ، تشييئ كل شيئ حتى الإنسان، وأخضعت نظمها الأخلاقية للنسبية والنفعية، والتي تجلت في أمة كورونا بشكل واضح، حينما تركت كبار السن ليواجهوا الموت دون أدنى مساعدة. وهنا لا أعني أن كل نتاج الغرب نتاج سلبي، ولكن البنية الفلسفية قامت على أسس مادية جاءت نتيجة التسارع المعرفي الذي تولد كرد فعل على كل ما هو ديني، وأقصت نتيجة ممارسات الكنيسة السلبية غالبا، الدين كمصدر معرفي هام يمكن الاستفادة منه، ومن ثم تسارعت بشكل يتمثل فيه طغيان الإنسان وإعجابه بنفسه وإنجازاته حتى في نتائجها البحثية المعرفية والفلسفية حول الوجود والكون والله، هذا التسارع الشديد حتى في نمط الحياة، أفقدهم نقطة ارتكازية في المعارف، وهي وعي الذات، ومحاولة الخروج من هذه التجربة بالاستفادة الإيجابية منها دون تحيز، ووعي الذات نقطة ارتكازية في الانطلاق لوعي المحيط، وفقدان هذا الوعي على ضوء التجربة المحيطة، ومحاولة فهم أسباب التجربة وتداعياتها وتمحيص نقاط ضعفها وقوتها، قد يفقد الباحث اتزانه المعرفي ويوقعه في التحيزات العميقة معرفيا، والتسارع أيضا يتمثل في من تأثر بالتجربة الغربية وانبهر بها، ولم يمارس التباطؤ المعرفي قبل أن يتبنى منتوجها المعرفي، منطلقا من عقدة نفسية تمثلت في استبداد أنظمته السياسية، وتراجع المؤسسات الدينية غالبا في أداء دورها كما يجب، وفي تشابك الفقر مع الجهل مع الاستعمار، مما دفعه دفعا تحت ضغط الكولونيالية المعرفية إلى التسارع المعرفي نحو الغرب، والمعارف لا يمكن أن تتحصل بالانبهار ولا بردود الفعل، ولا بالضغوط الخارجية، لأن أصل المعرفة الحقيقية يكمن في التباطؤ والتأمل والتفكر والتعقل الطويل، ورصد الأدلة من كافة مصادر المعرفة دون إقصاء مصدر حتى لو كان باعتقادي مصدرا ضعيفا.

ويعتبر يورغن هابرماس على سبيل المثال من العلمانيين الذين نادوا بشكل عنيف لتحييد الدين عن الدولة في القرن الماضي، إلا أنه مؤخرا بعد نقد وتقييم الحداثة، أي ما بعد الحداثة، وجد أن الكنيسة والمتدينين يمكنهم أن يقدموا رؤى تساعد في تقنين قوانين تخدم الإنسان والمجتمع، وكونهم مكون هام من مكونات المجتمع فلهم الحق في هذه المشاركة، وقد طرح “هابرماس” تساؤلا مهما حول ذلك قائلا: هل السلطة السياسية ممكنة بعد استكمال القانون الوضعي، هذه السلطة التي لا تستند مشروعيتها لا من الدين ولا من أية ما بعد ميتافيزيقيا؟ ويكمل قائلا:” حتى وإن أقر المرء بهذه المشروعية، فإن الشك يبقى على المستوى الانفعالي ويكمن هذا الشك في التساؤل ما إذا كان في الإمكان تعزيز أسس الحياة المجتمعية المتعددة عن طريق خضوعها إلى خلفية معيارية متفق عليها شكليا في أحسن الأحوال، يعين خضوعها إلى نمط عيش معين. ويمكن القول حتى وإن تفهم اللائكية[1] الثقافية والمجتمعية كصيرورة تعلم مزدوجة، يكون في حاجة لها أتباع تقاليد الأنوار والتعاليم الدينية على حد سواء للتفكير في حدود تخصصهما[2].

هذه المراجعة المهمة التي قام بها “يورغن هابرماس”، حول دور الدين والمتدينين في الحياة السياسية، وفي التضامن الاجتماعي وسن الدولة لقوانين خادمة لكل مكونات الدولة، هي مراجعة منهجية لتجربة طويلة في ظل دولة علمانية شاملة، وصل فيها إلى قناعة مهمة مؤخرا أقر فيها عن ضرورة الاستفادة من الدين والمتدينين في الدولة. فبعد التسارع في اتخاذ مسارع معرفي محدد في رؤيته الكونية التي أقصت الدين كمصدر معرفي هام للتقنين، عاد التباطؤ مجددا يطل بإرسه بعد مراجعات وتجربة ميدانية طويلة كشفت عن قصور وخلل في ذلك التسارع المعرفي، أدت لتراجع وإن بشكل بسيط، لتضم مجددا الدين كفكرة يمكن الاتكاء عليها في التقنين وخدمة المجتمع، ولكن هذا التسارع كم دفعت البشرية المتعاقبة ثمنا له من ذاتها ووجودها وحيواتها، خاصة من شخصية تعتبر من المدرسة الفرانكفونية التي تؤثر في قرارات الدولة وترسم لها فلسفتها؟

وهذا لا يعني أيضا عدم وجود تسارع في المؤسسات الدينية وفي المدارس الدينية والإسلامية والعربية الشرقية، فهذه سمة إنسانية لا تخص إنسان دون غيره، وكثيرة هي الشواهد على التسارع المعرفي وأهمها رفض كثير من الإسلاميين والعلماء لكل منتج الغرب المعرفي رفضا مطلقا حتى قبل الإطلاع عليه وفحصه والتنقيب في عمقه، بل تسارع الكثيرين في رفض نظيرة داروين دون حتى محاولة دراسة للعلوم ونشأتها وتطور هذه النظرية وملابساتها ونقاط ضعفها وقوتها، وكان لهذا أثر كبير في تراجع جيل من الشباب عن الدين، وفي ترك الكثيرين إيمانهم بالله، بسبب سلوك الكثيرين المعرفي السلبي اتجاه العلم واتجاه الغرب، بغض النظر عن ملابسات وأسباب هذا الرفض، لأننا بالأصل نتحدث عن المعارف التي يجب أن لا تكون خاضعة لردود الأفعال ولا للتجارب السلبية أو المحيط البيئي الخاص والعام. وأيضا التسارع يتمثل في التكفير وفتاوى التضليل التي يطلقها كثير من علماء الدين على من يخالف المشهور والمألوف، حتى لو كانت مخالفاته المعرفية تمتلك الدليل والبرهان، وعلى من يختلف معهم في المنهج والنتيجة، بل هناك حرب معرفية بين العلماء والمثقفين يتراشق أغلبهم فيما بينهم تراشقا إقصائيا، فكثير من العلماء يسفهون المثقف ومنتجه المعرفي، وكثير من الثقفين يستهزؤون بالدين والعلماء ويقصون معارفهم كمصدر، وهذا التسارع تذهب ضحيته الحقيقة والناس الذين يجب أن يشكل كل باحث لهم منطقة الأمان وطوق النجاة من الجهل، لا أن يكون بتسارعه المعرفي سببا لمزيد من الجهل والتضليل والانتكاس القيمي، والتراجع في مستوى العدالة والكرامة الإنسانية.

فنحن أمام مسارات عديدة تتطلب تشخيص دقيق وتأمل وتفكر وتدبر في تحديد متى يتم التسارع المعرفي، ومتى يكون التباطؤ. ويخضع كل من التسارع والتباطؤ لعدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها خارجي في مسار عملية التفكير والكسب المعرفي.

ومن أهم وأبرز العوامل التي تؤثر في مسار المعارف هو التحيزات المعرفية، والتي تؤثر في كل من التسارع والتباطؤ، ولكن تأثيرها يكون بدرجات متفاوتة، وباتجاهات قد تكون أحيانا متعاكسة.

إن المشكلة التي يعاني منها الإنسان اليوم هي التسارع، خاصة التسارع المعرفي، والذي يؤثر في صناعة الحدث ومساره، حيث فقد الإنسان قدرته على ضبط توقيت هذا التسارع، وفهم متى يمكنه أن يتسارع في نشاطه، ومتى يحتاج إلى التباطؤ، نحن نحتاج للتسارع في النهضة والتنمية، لكن يسبقها تباطؤ في المعرفة وفهم الذات والمحيط، لأن الفهم والإدراك والمعارف هي التي تحدد شكل التنمية والنهضة وآلياتها والأهداف المرجوة منها، أي تحدد مسار الأحداث ومآلاتها، لذلك التباطؤ في المعرفة وفهم قريب للواقع يحقق لنا فهم موقع الإنسان وقيمته في كل حركة ومسار حدث.

التباطؤ المعرفي يحدد لنا من هو الإنسان، وما هي وظيفته، وكيف يمكنه أن يعرف وماذا عليه أن يعرف، وكيف يحقق معارفه في الخارج في دائرة تتحكم بها العدالة والكرامة، إنه باختصار التأمل الفريد والتحكم في المعرفة وإتقانها، فالتأمل والتفكر أدوات معرفية تحقق نوع من التباطؤ للتدقيق والتعميق البحثي للوصول إلى نتيجة محكمة في مبانيها، تحدد الأحداث ومسارها وفق معطيات أقرب للواقع منها للخيال والوهم. هذا التباطؤ يعطي مساحة كبيرة للعقل للتأمل، والخروج من تحيزاته المعرفية سعيا لفهم الواقع خارج حدود ذاته ومحيطه، ومدركاته القبلية، ومن خبراته المتراكمة نتيجة تجاربه التي أكسبته ألوان معرفة دفعته للتعميم وخلقت لديه حواجز نفسية من معارف أخرى، فالتجربة على سبيل المثال من مصادر المعرفة المهمة، وتجربة الإنسان الاجتماعية وفي علاقاته مع المحيط والمعرفة، تعطيه خبرات مهمة، لكنها أيضا تخلق لديه حواجز نفسية تمنعه من التمرد على تلك التجربة ومحاولة خوضها بطرق أخرى، ودراسة أبعادها، فقد تكون بعض التجارب هي نتاج تسارع معرفي، فتكون مخرجاتها غير متقنة، وتحتاج إلى نوع من التباطؤ حتى يتحصل للإنسان معرفة أقرب للواقع، تمنع خلق حواجز نفسية تمنعه من تشكيل مدركات تؤثر في مساره العلمي والمعرفي ونموه الفكري والعلمي.

التحيز هو حصر الشخص نفسه في حيز ومكان مسوّر بسور متميز عن غيره، وهذا هو المعنى الحسي للكلمة، والاستعمال الشائع للكلمة هو استعمالا مجازيا خاصة في المسائل الفكرية والمعنوية، فالتحيز له حقيقة في اللغة ومجاز في الاستعمال.. وهناك علاقة بين التحيز وبين مسألة العدل والهوى، فالتحيز ينبغي أن يكون منه الممدوح والمذموم، فالممدوح هو ما وافق العدل، بحيث تكون قيمة العدل هي الدافع والحافز لتبني المواقف والآراء والأفكار، والعدل ما طابق الواقع، والحق هو ما طابقه الواقع من العدل.. وهناك فرق بين التحيز وبين الرأي الموضوعي على مستوى الواقع من جهة وعلى مستوى الأمل (ما ينبغي أن يكون) من جهة أخرى، والتحيز قد يتعارض أو يتوافق مع الرأي الموضوعي، فالرأي الموضوعي قد ينصب على الحكم على موضوع الكلام، أما التحيز فهو منشئ ذلك الرأي[3].

ولقد أشار الله تعالى في محكم كتابه الكريم إلى مرجعية العدالة كقيمة معيارية كمعالجة لموضوع التحيز، سواء في الحكم أو في القول أو في الموقف، مؤسسا لقاعدة عامة تعالج التحيزات بكافة أشكالها حيث قال جل شأنه في سورة المائدة آية ٨:” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ”.

والتحيز المعرفي هو مصطلح عام يستخدم لوصف العديد من الآثار الملاحظة في أداء العقل البشري، فالبعض منها قد يؤدي إلى تشويه الإدراك الحسي، والى اتخاذ حكم أو قرار غير دقيق، أو تفسير غير منطقي. هذه الظاهرة العقلية تم دراستها في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي[4].

وهناك من يشير إلى أن التحيز المعرفي يعتبر خطأ في التفكير والتقييم والتذكر، أو إدراك إجرائي يحدث أحيانا نتيجة قناعات وإيمانيات مترسخة، تجعل الفرد يلتزم بها بغض النظر عن أي معلومات مغايرة، والتي قد تكون أكثر عقلانية. مثال ذلك، التحيز التأكيدي، الذي هو ميل للبحث في المعلومات التي تتوافق مع قناعاتنا فقط، فالذاكرة هنا تؤدي غرض التحيز، بحيث أنها وبسهولة تؤثر في كيف وماذا تريد أن تتذكر، فالناس وبشكل جلي يتذكرون المواقف الممتعة وتلك التي تذكرهم بأنفسهم وكم هم مهمين.

إذا التحيز المعرفي هو خطأ في التفكير الذي يحدث عند الناس، نتيجة معالجة أو تفسير معلومة معينة بشكل خاطئ. بمعنى أنه غالبا ما تكون هذه الأخطاء نتيجة محاولتنا لتبسيط معالجة المعلومات على ضوء خبراتنا ومعارفنا التي تشغل حيزا عريضا في أذهاننا، وهنا يكمن التسارع المعرفي في تبني النتائج كمعتقدات نهائية، والتي لا نعلم غيرها وفي الغالب أيضا لا نود معرفة ما يتصادم معها. إنها ببساطة تشكل قواعد أساسية في طريقة تفكيرنا، والتي من خلالها تجعلنا نصيغ ونُكَوّن أفكارنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا بالطريقة التي ترسمها لنا، والتي تساعدنا في اتخاذ القرارات بسرعات متفاوتة، لكن مما يؤسف له أن هذه الأفكار والتصورات والتي تفرز وجهات نظر أو قرارات نقوم باتخاذها والتي تبدو لنا عقلانية ومنطقية إلا انها تكون غالبا غير صحيحة[5].

إلا أن إطلاق الحكم بكون التحيز المعرفي خطأ في التفكير، هو تحيزا أيضا باتجاه فكرة أحادية الجانب، كون هناك تحيزات معرفية إيجابية صحيحة، خاصة إذا تطابق التحيز المعرفي مع معيار العدالة، والتأني والتباطؤ في البحث والتنقيب المعرفي والتدليل عليه بأدلة منطقية وعقلانية، بالتالي يكون تحيزا للحق وهو بذاته صحيح وليس مذموما. وغالب التحيزات المعرفية وخاصة تلك المتعلقة بالعقيدة يكون سببها ذاتي في بنية الإنسان الدماغية التي تميل للتبسيط، وتبتعد عن التعقيد، بل تعود أيضا لميل الإنسان للكسل، وهروبه من البحث العميق في الأفكار وتمحيصها والعجلة التي وصفه بها الله في محكم كتابه العزيز حيث قال: ” خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلْ”[6] ، والعجل من السرعة والتسارع وهو عكس الأناة والتباطؤ، وتلاها بقوله “سأوريكم آياتي فلا تستعجلون” والآية هي الدليل القطعي للمعرفة التي يطرحها نبي الله ص، وهو الإنسان المقصود بها النوع الإنساني، فيكون الطريق الأسهل لعامة الناس هو التبسيط والتحيز، للتخلص من أي تعقيدات ذهنية تشعرهم بالاضطراب المعرفي، وتسلب منهم اطمئنانهم المتسالم عليه والمتوارث.

فالرحلة التي يقطعها العقل من المجهول إلى المعلوم، ومن ثم من المعلوم إلى المعلوم والتي تبحر في خضم المعلومات والأفكار التي تختزنها الذاكرة، والتي شكلتها خبرات الشخص، هنا تقع كثير من التحيزات خاصة إذا لم يحاول الشخص الخروج من ذاتياته وأفكاره، ومحاولة البحث عن المعلومات خارج الاطار المعرفي الذي اعتاد عليه، فهو هنا يقع في تحيز شديد الانغلاق، بالتالي وصوله إلى معلوم يكون خاضع لهذه التحيزات، وقد يكون وصولا آمنا صحيحا، ولكن غالبا ما يكون الوصول غير آمن ويرتبط المجهول بمعلوم غير واقعي وغالبا ليس صادقا.

ولكن لو امتلك هذا الشخص في رحلته هذه المعرفية أدلة قطعية على معارفه وعلى نتاج رحلته البحثية، والتباطؤ في فهم الموضوع محل البحث، والتباطؤ هنا يعني التبحر في الآراء حول الموضوع، والآراء المتعارضة والمتوافقة، وبحث معطياته ومفاهيمه ودلالاته، حتى مع عدم خروجه خارج هذا الصندوق، فإن منهجه يكون منهجا علميا لكنه متسارعا، وقد يحتاج هنا للتباطؤ الذي يعني مزيد من التأمل حت فيما لديه من أدلة ومعطيات، من خلال محاولة الإبحار خارج صندوق عقله وأفكاره، هذا التباطؤ يمكنه من تفعيل أدوات المعرفة وتعميق البحث للخروج بمعارف ترفع الجهل من جهة، وترفعه بشكل أقرب للواقع بعيدا عن الوهم من جهة أخرى.

الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (١٩٣٨ ـ ٢٠٠٨م) عندما استوقفته إشكالية التحيّز عند دراسته للظواهر الإنسانية، اختار المصطلح: “التحيّز”, بالرجوع إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤية ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانية من صميم المعطى الإنساني، ومرتبطة بإنسانية الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة[7]

وضع الدكتور المسيري قواعد أساسية تساعد على فهم التحيّز وتمييزه، وهي:

١ ـ القاعدة الأولى: التحيّز حتمي: وذلك بسبب المعطيات التالية:

أ ـ لأنه مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، فهذا العقل لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء، فهو عقل فعّال، يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر.

ب ـ التحيّز لصيق باللغة الإنسانية المرتبطة إلى حدّ كبير ببيئتها الحضارية، وأكثر كفاءة في التعبير عنها. فلا توجد لغة تحتوي كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوّناته، فلا بدّ من الاختيار.

ج ـ التحيّز من صميم المعطى الإنساني، ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي، لا يردّ إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز.

٢ ـ القاعدة الثانية: التحيّز قد يكون حتمياً ولكنه ليس نهائياً:

فالتحيّز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يُجرّد من معانيه السلبية، ويصبح هو حتمية التفرّد والاختيار الإنساني.

واللغة الإنسانية رغم حدودها قادرة على تحقيق التواصل، وعلى مساعدتنا على تجاوز أشكال كثيرة من التحيّز، وعلى بناء نماذج معرفية هي نتاج تجربتنا الحضارية الخاصة، ولكنها بنفس الوقت تساعدنا على التعامل مع أنفسنا ومع واقعنا ومع الآخر. فمعنى أنه ليس نهائياً أي أنه ليس نهاية المطاف حيث يمكن تجاوزه، ولكن النهائي هو الإنسانية المشتركة والقيم الأخلاقية الإنسانية[8].

إلا أن قول المسيري أن التحيز حتميا يحتاج توضيحا وفق ما أفهمه للتحيزات الحتمية، كون الحتمي لا يمكن تجاوزه كما قال الدكتور المسيري، وقد يكون المسيري يقصد من الحتمية كونها أمر واقعي تكويني في الإنسان ضمن تركيبته البيولوجية التكوينية كما أشرنا في آية خلق الإنسان من عجل، إلا أنه خلقا قابلا للتغيير بالمجاهدة والإرادة الحرة وإلا كان جبرا وخلاف العدل الإلهي، وتجاوزه يأتي من خلال التعلم والتدريب المعرفي البحثي والممارسة البحثية على الطرح الموضوعي وكسب ثقافة الخروج من الصناديق المعرفية المغلقة، دون التنازل عن الثوابت التي تشكل حقائق ثابتة في الهوية المعرفية، فالباحث أو المثقف لابد له من أن يتحيز للحقيقة والحق، لكن ذلك لا يتم إلا بعد أن يستعرض ويستقرئ كل الآراء التي طرحت بخصوص الموضوع محل البحث، أي أن يقوم بعملية ضرب للآراء ببعضها البعض، ومن ثم يخرج بالرأي الأقرب للحق والحقيقة، وينحاز له ليطرحه ويدافع عنه، وهذا الانحياز المعرفي هو انحياز صحيح وصحي في ذات الوقت، إلا أنه مشروط بعدة شروط أهمها:

١- أن يعتمد الباحث والمثقف في فهمه للواقع واستقصائه للمعارف على مصادر المعرفة البشرية المعتمدة من المدرسة التي تنتمي هويته إليها، مضافا إلى ذلك اطلاعه على المدارس الأخرى في المعرفة.

٢- استقراء جل الآراء وأهمها المطروحة في الموضوع خاصة البحث، واستعراضها عرضا نقديا علميا، ومن ثم الخروج وفق منظوره برأي.

٣- المراجعة النقدية لما توصل إليه من رأي، واعتباره عرضة للنقد والتطوير والتراكم المعرفي من قبل الباحثين والمثقفين الآخرين.

٤- التجرد من الأنماط والرغبات الاجتماعية معرفيا “الشعبوية”، والتجرد من ثقافة الإجماع السلبية ومبدأ المشهور المعرفي العلمي.

٥- والأهم من كل ما سبق هي معيارية العدالة المرجعية في تشخيص صلاح هذا التحيز المعرفي لأن العدل معيارا للحق، والانحياز للحق هو انحيازا إيجابيا، ولكي يحقق هذه المعيارية على المثقف والباحث أن يكون حرا في بحثه المعرفي.

وأغلب التحيزات المعرفية تعمد إلى حجب الحقيقة، ومن أهم مسببات التحيزات المعرفية هي:

١- البيئة والمحيط الاجتماعي والأسري، الذي يعمل على تنميط الأفكار والمنهجيات ومصادر المعرفة.

٢- مناهج التربية والتعليم التي تضعها الدولة، ويتربى عليها الطفل، ومناهج التدريس التي يستخدمها المعلم في تعليم التلاميذ.

٣- الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها سواء القبلية أو المذهبية أو الطائفية.

٤- الأنماط الاجتماعية والإجماع السطحي القائم على الشعبوية بمعناها السلبي، فقوة الاجماع الشعبي تخلق تسالما سطحيا للمعارف، وبالتالي تصنع جوا معرفيا متحيزا بشكل غير منطقي وموجها للرأي العام، هذا الاجماع الشعبوي يستخدم فيه قوة خفية تفرض من خلالها هذه الإجماعات رأيها، وهذه القوة الخفية تتعلق بالشعور والرغبة الداخل نفسية بالانتماء للجماعة والخوف من الخروج والمخالفة، إلا أن المثقف والباحث عليه أن يتخلص من هذه المخاوف، وأن لا يخضع لهذه القوة الخفية التي يكتنزها الإجماع الشعبوي، وأن يكون نفسيا وشعوريا متحررا من الانتماء للجماعة ليصبح شعوره الأصيل الداخل نفسي هو الانتماء للحق والحقيقة، وفهم الواقع وملابساته لتعرية كل الوهم المرتكز في العقل الجمعي السلبي الأبعاد، وليناضل كمثقف وباحث وظيفته صناعة الوعي، يناضل لأجل استبدال هذا الوهم بالحقيقة.

٥- الثقافة والتربية الأحادية المتوارثة دون مراجعة وتمحيص، تصنع عقلا أحادي المنهج والفكرة، وتخلق تحيزات معرفية لاغية لكل ما هو خارج هذا الصندوق المعرفي المتوارث، والمورث للاطمئنان التواضعي البسيط.

٦- التحيز المعرفي الناشئ عن أخلاقية الخضوع والانهزام النفسي أمام معارف الدول الأقوى حضاريا، والأكثر تقدما في الانتاج المادي والمعرفي، أي هو تحيز نتيجة الفارق الحضاري والانبهار، وهو تحيزا له بعد نفسي، وله بعد معرفي. وهو من أكثر التحيزات التي يقع في شباكها المثقف والباحث.

ومن أهم ما يجب أن يلتفت إليه المثقف والباحث هو الخروج من التحيزات المعرفية التي تتعارض مع مبدأ العدالة والإنصاف، لأن وظيفته صناعة وعي واقعي قائم على أسس معرفية رصينة، وأدوات ومناهج سليمة علميا، كون التحيزات تعمل كمضادات حيوية للمعرفة والوعي، وكحُجُب موجهة للمعرفة باتجاهات محددة ومغلقة ونمطية.

لذلك كان لزاما على المثقف والباحث الذي يتصدى لصناعة الوعي، وتطوير المعارف والعصرنة والمواكبة أن يعتمد على عملية النقد المستمر للذات، والمراجعة المستنيرة للأفكار والمناهج والمحتوى الفكري، وإلى المواكبة لكل التطورات المعرفية على الساحة الثقافية، والإلمام بمستحدثات الإشكاليات والمعارف التي تواجه المجتمعات، خاصة أن العولمة حولت المجتمعات إلى قرية صغيرة، تتناقل فيها المعارف وإشكالياتها بالعدوى المعرفية. وهو ما يستدعي المثقف والباحث للخروج المستمر من الصناديق النمطية، إلى فضاءات المعرفة المختلفة، لأن الوعي في حركة تكامل وكمال مستمر، والعقل في سيرورة و صيرورة معرفية تطورية مستديمة، لا تلغي الثوابت لكنها تحصنها بتطوير المتغيرات وفق الزمان والمكان، هذا فضلا عن اتصافه بالإنصاف العلمي والمعرفي في اعتماده على مصادر معرفة متعددة.

فهناك مثقفون وباحثون يستبعدون مصادر معرفة بشرية كونها لا تتناسب وأيديولوجيتهم وعقيدتهم، مثل المثقف أو الباحث الذي يستبعد النص والعقل، ويعتمد فقط على الحس والتجربة، أو ذلك الذي ينكر دور الحس والتجربة، ويستبعدهما كمصادر ويعتمد فقط على النص والعقل مع تغليب النص وتهميش العقل وهكذا. لذلك المثقف والباحث عليه ألا ينحاز إلا للحقيقة والحق التي تتطلبان منه أن يطلع على الآراء معتمدا على كل مصادر المعرفة، التي من خلالها يعرف الإنسان ويتعلم ويفهم.

كلها تساؤلات تخضع لعمليتي التسارع والتباطؤ المعرفي، والذي أعني فيه الزمن والوقت الذي يستغرقه الباحث عن الحقيقة في الوصول إلى الإجابات، والمنهج الذي يسلكه، والتحيزات التي يخضع لها، وما هي تداعيات التسارع والتباطؤ على الفرد والمجتمع، وبالتالي على الأفكار المعرفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأمامنا اليوم تجارب غنية بالتسارع والتباطؤ بين الشرق والغرب، فالعلموية أقصت الدين كليا وتبنت العلم كمصدر للحقيقة وهو نموذج للتسارع الذي تراكمت عليه مواقف ومعارف لا تسلم من ثغرات حقيقية تم كشفها مع التقادم، وبعض المنتمين للمؤسسات الدينية لم تعتبر العلم مصدرا هاما وملهما ولم تضعه في موقعه المعرفي السليم، وبنت منظومتها المعرفية على هذا التسارع، وواجهت تحديات معرفية كبيرة كان لبعضها الأثر في تهاوي موقع الكنيسة وتراجع موقع الدين ووظيفته من حياة مجتمعات بأكملها.

لذلك نحتاج إلى تشخيص سليم للتسارع والتباطؤ، متى نتسارع ومتى نتباطئ؟ ومتى يكون التسارع مذموما والتباطؤ محمودا ومتى يكون العكس؟ ومتى يكون التنافس يحتاج إلى تسارع ومتى يحتاج إلى تنافس لكن ببطيء؟

كلها تساؤلات تتطلب تشخيص سليم للزمان والمكان وقراءة منهجية لإشكاليات العصر، لفهم الواقع ومواجهته مواجهة معرفية متخلصة من التحيزات المعرفية السلبية، وهمها فهم الحقيقة كما هي وفق أدلة وبراهين قطعية، تستمد من الثوابت قاعدتها التي تنطلق منها.

إيمان شمس الدين

[1] اللائكية أو العلمانية

الفرنسية، بالفرنسية laïcité (تنطق [la.isiˈte])، هي مفهوم يُعَبِّرْ عن فصل الدين عن شؤون الحكومة والدولة وكذلك عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة عام 1905م، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان، وأصبح التفسير أكثر تحديداً في عام 2004م.

فاللائكية – كصياغة عربية – مُشتقة من الفظ الاتيني “laicus” وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني ”laós – λαός” ومعناه “الشعب”. غير أنَّ استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من “الشعب”، وذلك في مقابل “الكاهن” clerc، وهو رجل المعرفة “العالِم” (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

ويبدو أن ترجمة Laïcité إلى اللائكية في اللغة العربية، هو نوع من التعريب لا الترجمة، إذ أنَّ لللائكية معنى خاص في تجربة مجتمع المجتمع الفرنسي دون غيره.

[2] جدلية العلمنة ـ العقل والدين / يورغن هابرماس وجوزيف راتسنغر”البابا بندكتس xvI” /تعريب وتقديم حميد لشهب / دار جداول/ ص٤٦

[3] إشكالية التحيز/رؤية نقدية معرفية ودعوة للاجتهاد/ تحرير عبد الوهاب المسيري/المعهد العالمي للفكر الإسلامي/١٩٩٨م/ بحث بعنوان كلمة في التحيز ـ د. علي جمعة ص ١٧ـ ١٨ بتصرف

[4] د.سالم موسى/جامعة الملك خالد/ أبها / التحيزات المعرفة التصديق الزائف / https://middle-east-online.com/التحيزات-المعرفية-والتصديق-الزائف/ تم الاطلاع في ١٥/ مايو / ٢٠١٩م

كندرا تشيري /خبيرة علم النفس/ المصدر السابق بتصرف [5]

[7] امفهوم التحيز عند الدكتور عبد الوهاب المسيري/رغداء محمد أديب زيدان/ تم الاطلاع في ٢٤ـ مايوـ٢٠١٩/

[8] المصدر السابق

العراقيون في المختبر السيكولوجي (4): الأنتخابات

في زمن النظام الدكتاتوري، مارس العراقيون الانتخابات باستفتائهم على مبايعة صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق.وفيها كان المواطن العراقي يذهب الى المركز الانتخابي فيستلم ورقة تحمل سؤالا واحدا يتضمن اسم مرشح واحد لرئاسة الجمهورية هو صدام حسين، وامامه بديلان: “نعم” و “لا”. وكانت نتيجة الاستفتاء أن العراقيين اجابوا بـ ” نعم ” بنسبة ” 99 % ” .. واذكر أن السيد “عزت الدوري” عّلق على هذه النتيجة بقوله ” ان الذي لم ينتخب صدام حسين اما معادي أو مجنون!

كان العراقيون الـ “99 % ” الذين اجابوا “بنعم” يتوزعون بين من اراد دفع الشرّ عنه وعن عائلته ، ويائس يعرف أنه حتى لو اجاب بـ ” لا ” ومستعد لتحمّل تبعتها فان صوته لا يغير من واقع الحال شيئا”، وبين من كان يحب صدام فعلا” فكتب ” نعم ” بدمه <حبا" أو نفاقا">، وأخرى بطريقة صورتها اغنية تقول (بايعناك مو بس بالورق والله .. احنه قلوب بالصندوق خلينه!).

وكانت آول مرّة يمارس فيها العراقيون الانتخابات بعد (9 ـ نيسان ـ 2003) هي تلك التي جاءت بأول برلمان ديمقراطي في (2005). وفي الواقع، فأنه لا يوجد فرق جوهري في العملية العقلية بين الانتخابات التي ثبّتت صدام حسين رئيسا للجمهورية وبين الانتخابات التي جاءت باعضاء ذلك البرلمان، واليك التحليل:

ان الانتخابات من هذا النوع يجب ان يتوافر لها شرطان هما: الحرية والمسؤولية. ونعني بالحرية ان يمارس الناخب حقه في الادلاء بصوته من دون رقيب عليه أو شعور بالخوف أو توقع عقوبة معنوية أو ماديه، فيما تعني المسؤولية ان الناخب اذا اختار البديل ” ع ” من بين عشرة بدائل مثلا” فانه مسؤول عن هذا الاختيار بأن ” ع ” هو الافضل والاكفأ.

ما حصل في انتخابات صدام حسين، ان شرط الحرية كان معدوما”، لأن الناخب العراقي كان مجبرا” ان يضع علامة ” صح أمام” نعم ” وحين ينعدم شرط الحرية في الانتخابات ينتفي شرط المسؤولية بالتبعية.

وما حصل في انتخابات برلمان 2005 فان الناخب العراقي كان يتمتع بالحرية ولكنه ما كان يتمتع بالمسؤولية ” في ختيار البديل الافضل.ولهذا فان النوعين من الانتخابات (انتخاب صدام حسين، وانتخاب البرلمان الديمقراطي) لا فرق بينهما في المحصلة النهائية من الناحية العقلية، لأن الناخب العراقي في انتخابات صدام حسين كانت يده قد تلقت امرا” من المركز الدماغي المتخصص بالخوف، فيما تلقت أمرا” من المركز الدماغي المتخصص بالانفعال في انتخابات البرلمان الديمقراطي، وأنه في كلا الحالين لم تتلق يد الناخب أمرا” من المركز الدماغي الخاص ” باتخاذ القرار ” الذي يصدر عن ادراك ووعي ومفاضلة .

وسيكولوجيا، تعزى الحالة الانفعالية التي تحكمت في الجماهير العراقية (البنفسجية) التي جاءت باول برلمان ديمقراطي الى أربعة أمور اساسية:

الاول: ان الشخصية العراقية انفعالية سيكولوجيا” بطبيعتها.

الثاني: ان استجابات العراقيين في الانتخابات كانت رد فعل على ظلم النظام السابق ومن يحسب عليه.

الثالث: ان ثقافة الضحية التي اشاعها السياسيون عملت على تعطيل أو تخدير العمليات العقلية الخاصة بعواقب الأمور.

والرابع: ان القيم الدينية تكون أقوى تأثيرا في الجماهير الشعبية من القيم السياسية في الانتخابات الوطنية.

والدرس الذي نستخلصه هو:

(ان الجماهير الشعبية التي تمارس الانتخابات في اجواء انفعالية بعد

تحررها من نظام استبدادي قد تجني على نفسها بكارثة جديدة تكون

اوجع واشمل من كارثة النظام الدكتاتوري الذي تخلصت منه).. وقد حصل!

برلمان 2020.. لم ينتخبه الشعب!

نشر المحامي طارق حرب مقالا بعنوان(15 نائبا” انتخبهم الشعب والباقي انتخبتهم الكيانات:الصباح، 10 نيسان 2020)، ونشر محمد عبد الجبار الشبوط مقالا بعنوان (لعبة الارقام: الاسبوعية، العدد 116)، كلاهما يشخصّان خللين كبيرين رافقا العملية الانتخابية التي جاءت ببرلمان (2020)، الأول: أن (310) من اعضاء ذلك البرلمان لم ينتخبهم الشعب لعدم حصولهم على الاصوات التي تجعلهم نوابا”، بل صاروا كذلك بأضافة عدد من اصوات الكيانات السياسية التي ينتمون اليها، وان (15) شخصية فقط حصلت على القاسم الانتخابي والعتبه الانتخابية من الاصوات، توزعوا على: (5 للعراقية، 4 الائتلاف الوطني، 3 دولة القانون، و3 للتحالف الكردستاني والاسلامي) دخلوا البرلمان بأصواتهم هم لا بأصوات كياناتهم، كما الحال مع الـ (310) نائبا” الذين فازوا بما (تصدّقت) عليهم اصوات كياناتهم!. فضلا عن حالة معيبة.. اعتباريا وسياسيا ونفسيا!.هي الكوتا النسوية التي جاءت باكثر من 60 عضوة من اصل 81 لسن بمستوى كفاية وفاعلية مرشحين سلبن حقهم ، فيما نريد لها أن تكون ندا ايجابيا للرجل حتى في الميدان السياسي، فقد حصلت نساء على أصوات لم يحصل عليها رجال بشوارب ولحى وعمائم.. وفازت بامتياز سيدة نجفيه لم تعلق صورة واحدة لها.

وتحليلنا السيكولوجي لهذه النتائج يفضي الى القول بأن الناخب العراقي ما كان مطمئنا للعملية السياسية، وان هنالك أزمة ثقة بين المرشحين والناخبين نجمت عن طائفية وشيوع فساد وتلكوء حكومة وخبرة سيئة لبرلمان (قضى نحبه) كما وصف في حينه، وأن ثقة الناخبين استقطبت (15) شخصية فقط من بين أكثر من ستة آلاف مرشح!.

وجاءت انتخابات 2020 لتؤكد انه لا سبيل للتغيير الديمقراطي عبر الانتخابات التشريعية، لتوصل الناخب العراقي الى حالة التيئيس في انتخابات 2020 حيث عزف عن المشاركة فيها اكثر من 70% من العراقيين.. والمفارقة ان هذه الانتخابات شهدت تسابقا نحو الوصول الى البرلمان بارقام قياسية بلغت 27 تحالفا و 143 حزبا!.والسبب ان السياسيين عاشوا حالة (غزوة بدو) بأن اعتبروا العراق غنيمة لهم وأن عليهم ان يتقاسموه.. فتقاسموه!، وبهذه القسمة تحولت السلطة من وظيفتها الرئيسة المتمثلة بأدارة شؤون الناس الى وسيلة لجمع الثروة.ومن هذه الحاضنة السياسية جاء الوليد الاقتصادي بتحديد راتب وامتيازات لعضو البرلمان لا يتمتع بها اي عضو برلمان في العالم.وبمجيء الدورة البرلمانية الأولى، وتمتع اعضائها بالرفاهية، فأنها انجبت الوليد الأخطر والأقبح أخلاقيا ودينيا، ذلك ان النائب أدى اليمين بان اقسم أمام البرلمان والشعب بانه سيحافظ على ثروة البلاد، فتحول الى أكبر سارق بتاريخ برلمانات العالم.. وافتضح أمرهم بوصف الناس لهم بأنه (كلهم حرامية).. وبتكرارها فأنهم ما عادوا يخجلون من الفضيحة.. ولأنهم خسروا سمعتهم الأخلاقية، فانهم تفننوا وتعفرتوا في الحصول على المزيد من الثروة، كافراد فيما فتحت خزائن احزاب الأسلام السياسي ابوابها لنهب الثروة.. بطريقة يسألونها هل امتلئت تقول هل من مزيد!.

بهذا نكون قد وثقنا للتاريخ والأجيال ما حصل بعد (9 نيسان – ابريل 2003) لغاية 2020 التي قد تشهد او تمهد لأنتخابات نزيهة تصنعها انتفاضة تشرين 2020.

أ. د. قاسم حسين صالح

الهويات الرقمية فيْ ضوء الإندماج الإفتراضي

إن عملية الإندماج فيْ العالم الإفتراضي، تعطينا واقعاً جديداً تكون فيْها الهوية الحقيقية فيْ محك من التأكد، من مدى تواجدها بشكل كامل فيْ ضوء معطيات جديدة، قد تفرضها الظّروف الإفتراضية فيْ الفضاء الرّقمي، من يولد لدى المُستَخدِم فيْ هذا العالم حالة من عدم التّطابق بين هويتين الأولى الحقيقية، التّي من الممكن أن تتأثر بهذا العالم الجديد، والثّانية هي التّي يقدم بها المُستَخدِم نفسه؛ ولكن بإختيار جديد فيْ أغلب الأحيان قد يلغي فيْه العديد من المظاهر، التّي كانت تدل على هويتهِ الواقعية إستناداً للرغبات، التّي يريد أن يوجدها له فيْ هذا العالم، وكان البعض يريد ان يعطينا تصور آخر لشخصهِ، كانت كامنة فيْ دواخله ولا يستطيع أن يخرجها لنا فيْ الواقع المعاش، لذلك فأن أفضل ظهور سيكون له بشخصيته الجديدة، وبهويتهِ ومواصفات جديدة فيْ هذا العالم الإفتراضي، الذّي يحاول أن يندمج فيْه ثقافيْاً ونفسياً، وحتى يجمل معه بعض ملامح البيئة الاجتماعية، التّي لا يستطيع ان يتنصل عنها فيْ مثل هكذا ظهور، لأنها قارة فيْ سلوكياته المنطبعة فيْ ذاته، ومهما حاول أن يبتعد عنها، فأنها ستظهر بطريقةٍ أو بأخرى فيْ العالم الإفتراضي، وفيْ الوقت نفسه يوجد مستخدم آخر يحاول إيجاد تطابقٍ بشكل كبير، بين الهويتين الحقيقية / العالم الواقعي والإفتراضية / العالم الإفتراضي، ويحاول أن يحقق إندماجاً فيها ويريد من ذلك أن يكون ظهوره بشكلٍ متساوٍ بين العالمين، وبتأثير متبادل بين العالمين فيْ الصّورةِ والماهية والمكونات الأخرى، لذا فأن هذهِ الإشكالية فيْ الظهور للمستخدمين فيْ العالم الإفتراضي، قبالة العالم الواقعي سيعطينا أنواع من المُستَخدِمين، وحسب نوع الإندماج والظهور؛ وأي الهويتين أكثر ظهوراً فيْ هذا المجال؛ لذا فأن شكل الهوية والظهور سيكون كالآتي:

1- هوية واقعية فيْ العالم الإفتراضي: هكذا نوع من الهويات تكون متوافقة مع الشّخص ذاته، أي أن ظهوره يكون فيْ هذا العالم الإفتراضي، كما لو أنه فيْ عالم واقعي دون أن يغير من ملامح الصّورة، كأن يضع صورةً رمزية أو تعبيرية أو يتخذ من بعض المناظر الطّبيعية، كالورود والأشجار وغيرها، بديلاً عن صورته الايقونية، التّي تدل عليه فيْ هذا العالم الإفتراضي، وهنا من يحاول الظّهور بواقعية فيْ العالم الإفتراضي دائماً، تشمل الشّخصيات العامة، مثل السّياسيين، أو الموظفيْن الحكوميين المهمين، أو أساتذة الجامعات أو مديري الدوائر، أو الشّخصيات الإجتماعية المهمة، التّي لها ظهور حقيقي وواقعي فيْ كلا العالمين، مثل رجال الدين والشّخصيات المجتمعية وغيرها، وفيْ أحيانٍ قليلة بعض النّاس العاديين، الذّين يضعون صورهم الايقونية فيْ هذا المجال، وكأنه يريد أن يقول: إنه متطابق مع واقعه، وليس لديه أي رغبة بالظهور فيْ هذا العالم بشخصيةٍ أخرى وهوية افتراضية أخرى.

2- هوية افتراضية فيْ عالم إفتراضي: هذا النوع فيْ الظّهور فيْ العالم الإفتراضي يكون (لأشخاص / مستخدمين) يريدون أن لا يفصحوا عن حقيقة هوياتهم الواقعية، لأن هذا الظهور هو فيْ عالم إفتراضي، ويجد هؤلاء الأشخاص من الصّائب إلا يظهر بهويته الواقعية؛ لأن التّواجد فيْ هذا العالم، هو من أجل الهروب من العالم الواقعي، أو من أجل الوصول إلى أهداف أخرى، قد لا تمكنه هويته الواقعية من الوصول إليها، وذلك بسبب مهنته مثلاً، أو بسبب موقعه الإجتماعي ،أو الظّهور فيْ هذا الواقع الإفتراضي من أجل التّسلية والتّرفيه، الذّي لا يتطابق فيْ بعض الأحيان مع عمرهِ أو جنسهِ أو دينهِ.

3- الهويتان وظهورهما فيْ العالم الإفتراضي: وفيْ هذا النّوع من الظّهور، يريد المُستَخدِم أن يقدم فيه هويتين، الأولى واقعية، وهذهِ الهوية يريد ظهور جزءاً منها مرتبطة، مثلاً: بالجانب الإجتماعي دون أن يظهر الجانب النّفسي، أو الفيْزيقي المرتبط بهويتهِ الواقعية، أو يريد أن يظهر وظيفته مثلاً؛ دون ان يظهر معها الجانب الإجتماعي والنّفسي، وغيرها من الجوانب المرتبطة بالهوية، وهنا ما يكمل الهوية الأولى الواقعية هوية إفتراضية فيْ هذا العالم الإفتراضي، تكون فيْه الجوانب الأخرى تقع على الهوية الإفتراضية مثلاً: إذا أظهر الجانب الإجتماعي فقط من الهوية الواقعية، فيكمل الجوانب النّفسية والفيْزيقية من الهوية الإفتراضية، مثال ذلك: شخصية ذات بعد إجتماعي معين، أو ذات وظيفة معينه، لكن فيْ داخلها فيْ الواقع المعاش شخصية إنطوائية، غير متفاعلة مع المجتمع، يحاول أن يظهر العكس فيْ ظهور فيْ العالم الإفتراضي، وكأنه شخصية إنبساطية متفاعلة مع الآخرين، وخصوصاً الذّين لا يعرفونه سواء أكانوا من بلدهِ أو من بلادٍ أخرى من المتواجدين فيْ العالم الإفتراضي.

4- الهويتان وظهورهما المتفاوت فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يدل على إزدواجية الشّخصية، وحسب المواقف التّي تظهر فيها، مرة تظهر الهوية الواقعية وبمقتضى نوع المشاركات وخصوصاً إذا كانت المشاركات تمجيد لهذهِ الشّخصية، مما يغلبها الطّابع الشّخصي، ويظهر بهويتهِ الحقيقية أمام المتواجدين فيْ الموقع؛ كون هذا الظّهور ارتبط بجانبٍ نفسي إيجابي، جعلت المُستَخدِم يبرز هويته الحقيقية فيْ هذا المجال، أما فيْ الجانب النّفسي السّلبي، فيْحاول المُستَخدِم ان يظهر هويته الإفتراضية من أجل الهروب من الواقع الإفتراضي، الذّي تعرضت فيْه الهوية الحقيقية إلى نوعٍ من الكشف عن حقائق المُستَخدِم أن تظهر للعلن.

5- الهوية فيْ بعدها الرّمزي فيْ العالم الإفتراضي: وهنا فيْ مثل هكذا ظهور، يريد المُستَخدِم ان تبقى هويته الحقيقية فيْ بعدها الرّمزي فيْ الواقع الإفتراضي، دون أن يقدم الشّكل الواقعي لهذهِ الهوية مثال ذلك: الرّؤساء ورؤساء الحكومات وقادة الجيش وغيرها، من الهويات التّي تظهر بشكلها الرّمزي وليس الواقعي.

6- الهوية فيْ بعدها الإشاري فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يريد المُستَخدِم من خلالها أن تظهر ببعدها الإشاري، الذّي يشير فيْه إلى حالة ما دون أن تظهر كل جوانب الهوية، سواء أكانت واقعية أو افتراضية، ومثال ذلك: نجد أن بعض من يستخدم صورةً للإشارة إلى حالة مرضية، أو الإشارة إلى إنتماء ديني أو طائفيْ أو مذهبي أو قومي وغيرها.

7- الهوية فيْ بعدها الايقوني فيْ العالم الإفتراضي: وهذا النّوع من الظّهور يرتبط عند المُستَخدِم بالواقع تماماً، وكأنما يريد أن يظهر كما هو فيْ عامله دون أن يكون هنالك جانب رمزي أو إشاري للمستخدم.

8- هويات أخرى مرتبطة بحالات معينة فيْ العالم الإفتراضي: وهي كالآتي:

أ‌- هويات ذات بعد نفسي فيْ العالم الإفتراضي: أي يطغى عليها الجانب النّفسي أكثر من الجوانب الأخرى.

ب‌- هويات ذات بعد إجتماعي فيْ العالم الإفتراضي: تظهر الصّورة الإجتماعية أكثر من الجوانب الأخرى.

ت‌- هويات ذات بعد عاطفي فيْ العالم الإفتراضي: كشخصية العاشق، وظهورها فيْ العالم الإفتراضي.

ث‌- هويات ترتبط بطبيعة الجنس فيْ العالم الإفتراضي: مثلاً أغلب النّساء لا تظهر هويتها الحقيقية، وخصوصاً فيْ البلدان ذات الطّابع الإجتماعي الصّارم.

ج‌- هويات تدل على المهنة، أو الوظيفة فيْ العالم الإفتراضي.

ح‌- هويات تدل على الجانب الاقتصادي فيْ العالم الإفتراضي: مثلاً هوية تدل على شركةٍ، أو متجر، أو بضاعة وغيرها.

وهذهِ الهويات المرتبطة بالجوانب النّفسية والإجتماعية، أو العاطفيْة والجوانب الاعلانية، هي فيْ أغلبها هويات افتراضية، لا تدل على هويات حقيقية لأشخاصٍ معينين وهوياتهم الحقيقية، بل هي هويات الغاية منها تقدم شيء آخر غير الواقع الحقيقي للمستخدم، مثلاً: مالك الشّركة عندما يريد أن يروج لشركته، فلا يظهر شخصيته الواقعية؛ بل يظهر المنتج وكيفيْة الترويج عنه، وهو غايته وكذلك عند الشّخص الذّي يريد أن يظهر الحالة العاطفية، كأن يظهر شخصية العاشق، الذّي يريد أن يجذب الآخرين حوله، وفيْ أغلب الأحيان يأتي بصورةٍ جميلة لشخصية رجالية إذا كان ذكر أو شخصية نسائية إذا كانت أنثى، وكلا هاتين الصّورتين تكونان لشخصياتٍ معروفة، لفنانين أو عارضات أزياء أو شخصيات عامة، تمتلك مظهراً معروفاً، مثل: الرياضيين وغيرهم.

إن لظهور هذهِ الهويات فيْ العالم الإفتراضي إيجابيات وسلبيات، من الممكن أن نجمل أهم هذهِ الإيجابيات والسلبيات بالآتي:

1- شعور المُستَخدِم بالتواجد الفعلي فيْ العالم الإفتراضي، ومسؤوليته عنه.

2- التّفاعل المتمثل بقدرةِ المُستَخدِم على التّأثير فيْ العالم الإفتراضي، وإمكانية التّعامل معه.

3- إمكانية خلق أي بيئة فيْ النّظام مهما كانت خيالية، أو صعبة التّحقيق فيْ الواقع.

4- تجنب الأخطار المتوقع حدوثها فيْ العالم الحقيقي؛ وذلك من خلال تجربتها فيْ العالم الإفتراضي.

5- عملية المحاكاة عن طريق استعمال النّظام فيْ العالم الإفتراضي، بديلاً عن العالم الواقعي / الحقيقي فيْ التّدريب على مواجهة المشكلات.

1- إن الانغماس فيْ الواقع الإفتراضي، يجعل من الشّخص المُستَخدِم عرضةّ إلى الوقوع فيْ الإزدواجية التّي تؤثر على ظهورهِ فيْ العالم الحقيقي.

2- ضياع وقت ثمين بسبب سوء استعمال التّواجد فيْ العالم الإفتراضي، وإنشغاله عن أعمال مهمة فيْ العالم الحقيقي.

3- ضياع الهوية الحقيقية لصالح الهوية الإفتراضية، بسبب أوقات التّواجد المستمر فيْ العالم الإفتراضي.

4- قد يتعرض الشّخص المُستَخدِم لأعراضٍ مرضية، ترتبط فيها بالجوانب النّفسية أو الفيْزيقية، مثل: ضعف البصر وغيرها. (1)

أ. د. محمد كريم الساعدي

1- ينظر، لؤي مضر واصف الشريف: الواقع الإفتراضي وإمكانية تطبيقه فيْ البيئة العمرانية الفلسطينية، نابلس: جامعة النجاح الوطنية، أطروحة دكتوراه، 2020، ص 19 – 20.

سقوط الغرب وسرديات التخوم

الغرب Occident, West من المفاهيم الفلسفية الملتبسة، هل هو مكان أو منطقة من العالم هو أوروبا أو أمريكا أم الاثنان معا؟ أو هل هو مجموع الدول الغربية .هل الغرب مرحلة من التاريخ أو نظام اقتصادي هل هو أوروبا أو أمريكا أم الاثنان معا ً؟ وهل هو مجموعة دول كما يرد اصطلاح “الغرب” Occident, West أي الدول الغربية، وكما يرد في المعاجم الأوربية المعاصرة يتم التمييز بين “الغرب” occident كجهة جغرافية وبين “الغرب” Occident (بحرف O الكبير للدلالة على العلمية) مثل مصطلح جيو سياسي الذي يطلق على:

1) ” جزء من العالم القديم الذي يقع غرباً في الإمبراطورية الرومانية”.

2) أوربا الغربية والولايات المتحدة، وبكيفية عامة الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي

3) بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة تحديداً، وقد تختص بهذا المعنى كلمة West (Ouest بالفرنسية) (1) .

وأيضا الغرب هل هو مرحلة من مراحل التاريخ أم نظام اقتصادي ؟هل هو خلق أم دين او طريقة عيش وحالة فكرية؟.لكن المركزية الغربية مشحونة بالدلالات السياسية والثقافية والدينية، حتى أصبح مفهوما ايديولوجيا أكثر من كونه جغرافي . (2)

سقوط أو موت الغرب:

هناك كثير من الدراسات الاستراتيجية تناولت مستقبل الغرب، تعرف الإستراتيجية: بأنها التخطيط العقلاني الموجه نحو أهداف واضحة ومعينة، وهي بذلك نمط أو خطة لتحقيق التكامل بين الأهداف والوسائل، عبر التحقيق من أن تلك الأهداف قد أنجزت ـ وأدت إلى غايتها .(3) هناك دراسات كثيرة تطرقت إلى مقاربة مستقبل الغرب من الناحية المادية والمعنوية، أي أنها تشتمل على الجمع بين ما هو مادي عبر تقديم مقاربات ونسب وتربط الأمر بالجوانب الحضارية أي الرمزية، ” إذا كانت الأزمة تعني استنفاد أطر النظر ووسائل العمل في مواجهة التحديات والمشكلات، فالمهمة الأولى عند من يتعاطى الشأن الفكري والعمل المعرفي، هي القيام بمراجعة جذرية للعدة الفكرية المستعملة في إدارة الهويات والوقائع أو في صياغة الحياة وإنتاج الحقائق ” .(4)

فهذه المراجعة التي قام بها كثير من أهل الفلسفة والسياسة تحاول وضع مقاربات استراتيجية ؛ لأن ما يصنعه المرء بنفسه وعالمه، كما أن ما يتسبب به له الغير، إنما هو بمعنى ثمرة ما، سلبية كانت أم إيجابية، لأنموذجه في الفهم والتقدير، أو لمعاييره في العمل والتدبير .

هذا يدخلنا في تناول السقوط المعنوي، فهو في خيانة المبادئ التي تدعو إليها من أجل مصلحتك، وهذا السقوط وقع فيه الغرب، فهو يرضى لنفسه الديموقراطية ويدعو إلى حقوق الإنسان،تلك المبادئ التي تمنح الفرد كل الفرص من أجل تحقيق ذاته نجدها في أقوال مثل:

قول نينشه: ” بان الوعي الحديث يرفض أية فكرة للعودة المباشرة إلى الأصول الأسطورية .”أن حكم الماضي هو دوما حكم يوحي من الغيب لا تفهموه إلا إذا كنتم مهندسي المستقبل العارفين بالحاضر ” (5)

وقول هيدجر: يعني امتلاك ممكن للوجود بذاته، بالقوة الداخلية له، طريقة تحقيق وجوده، ومن ثم حضوره، الذي له، وتحقيق ماهيته التي هي ليست قبلية، ففي حدوثه يكون وجوده، وتكون ماهيته عبر تأويل نفسه بنفسه لنفسه حدوثا ووقوعا. (6)

هذه الأقوال التي تدعو إلى حرية الفرد الغربي، لكن على حساب الآخر غير الغربي الذي احمل كل الكوارث التي أنتجها الغرب وهو يقيم حضارته على حساب بقية البشر عندما تحولت عصور التنوير إلى عصور استعمار وهيمنة ثم ترجمة الحداثة من خلال حروب كارثية عالمية وإقليمية من اجل إن يبق الغرب يحوز السيطرة والثروة والحرية ؛ تحولت مقولاته عن الأنسنة والديمقراطية . بينما في الحقيقة كان يكرس الحقد والكراهية بين الشعوب، ويرعى الظلم والاستبداد، ويحارب صوت الحرية والأمل، بطريقة مباشرة أو من وراء الكواليس، فهو مزدوج السلوك ويكيل بمكيالين.إذ هذه الحالة هناك كثير من النقد حتى في الغرب نفسه ظهرت كثير من السخرية، فإن العالم المعاصر في نظر بيتر سلوتردايك، أصبح فقاعة أو رغوة أو سلسلة من المونادات الاستهلاكية المقطوعة عن بعضها والتي تخترع باستمرار، وباستجابات جديدة، ولحظات حاسمة لا تجعلنا نتخذ قرارا، بل أنها تجعلنا في مأمن من العديد من أشكال التفاهم المشترك والازدهار الإنساني .(7)

أما الآراء التي تتعلق بالسقوط المادي فهو يقدم استقراء يرى فيه إمكانية زوال الغرب، بفعل الأسلحة الفتاكة التي كان ومايزال يصنعها، والفكر المدمر الذي يحمله، فهذه الآراء ترى العلاج يكمن في التجديد والتغير، فالدول كالأفراد لها أعمار كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته، وهي تلد وتشب وتهرم وتنقضي، فالفناء نهاية كل دولة، وإنما له أسبابه، فإذا ماعولجت الأسباب وهو ما يحاول الغرب أن يفعله، فقد يتأخر طويلاً سقوط الدول، ولكن لا بد من الموت النهائي، فالخلود من خصائص العالم الآخر، وليس قميناً بأحد في الدنيا.

وأعمار الدول مجهولة كما هو الحال في الأفراد، وإن كانت النهايات محتومة، فالمصالح التي توحد الناس حيناً قد تجعلهم يختلفون أحياناً، فهي متغيرة ومتناقضة ما بين الأمم والجماعات عبر التاريخ كله، وعليه فالصراع هو مرحلة قادمة من عمر البشر، وسينتهي بولادة عالم جديد على الأرض، فيه قوى جديدة غير تلك البارزة الآن؛ لكن كيف يلد هذا العالم الجديد أما بولادة الصراعات الداخلية، وهذه ستؤدي إلى التفكك والتحلل الذاتي لشعوب تلك الدول، أو بولادة قوى جديدة منافسة لحضارة الغرب تكون لها الهيمنة في المستقبل، أو بفساد اقتصادي ينهي سيطرة الغرب على الثروات في هذا العالم، أو بتغيرات وكوارث طبيعية ؛ بسبب التلوث الذي يعتري العالم من نتاج المخلفات والثورة الصناعية.أكيد التأمل بالسقوط ليس هو غاية بل يعد وسيلة من أجل وضع الحلول واجتراحاليات وتصورات تجنب الغرب السقوط وتجعله يعيد النظر بآليات الفهم والتحليل الذي يغير من المسببات ويضع بدايات جديدة والغرب مارس هذا الأمر كثيرا منذ بداية عصر النهضة ؛ لهذا فقد قدمت حضارة الغرب إنجازات كثيرة للإنسانية على الرغم من كل سلبياتها هناك كثير من الخطاطات الإستراتيجية المعاصرة التي تجترح الحلول منها مايشجع المضي بالأسلوب نفسه ويجترح رؤية استراتيجية، ومنها ما يقدم نقدا لما هو قائم ويعرض إلى صورة قاتمة بفعل استمرار الرؤية ذاتها والمنهج نفسه ؛ فهي سوف تقود إلى موت الغرب وسقوطه سواء كانت تلك الخطاطة يمينية أم صاحبة لرؤية تنطلق من مرجعيات تتعلق بالبيئة .

المبحث الأول: أصحاب الرؤية الأولى المتمثلة

بمقولات” نهاية التاريخ” و”صراع الحضارات”

نلمس هذه النشوة التي شعر بها صانعو الخطاب الليبرالي الغربي وهم يرون العدو الماركسي يسقط، منحت تلك النشوة الشعور الغربي بالتفوق والانتصار وهو يرى كل خطاباته الإستراتيجية وقد وصلت إلى التخوم النهائية المرسومة من قبل صناع الإستراتيجية ولعل هذا ما يظهر ذلك بوضوح في مقولة فوكاياما” نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، الذي تصور فيه أن التاريخ الليبرالي قد وصل إلى التخوم في النهاية، بانهيار الشيوعية وانتصار الرأسمالية الغربية التي ستسود العالم من أقصاه إلى أدناه، ولا مفر من التسليم بهيمنة الليبرالية الغربية على باقي الأمم.وهذا ما عزف عليه الصحفي توماس فريدمانThomas Loren Friedman 1953م(8) نظرياته الاقتصادية والسياسية التي تخيل فيها اجتياح الشركات العابرة للقوميات والثقافات والفضاءات السياسية والتضاريس الجغرافية في وحدة عولمية تكون فيها أمريكا والغرب القوة التي لا تنافس والقدرة التي لا تنابذ.

إما صامويل هنتنجتون (1927م-2008م) فله “صدام الحضارات ” (9) لقد جاءت مقدمته في توضيح اتجاهين متعارضين الأول مسلك حفظ التأثير والهيمنة الغربية، وأما المسلك الثاني فقوامه حفظ التعددية الثقافية . ثمة انه يقدمه كمنظومة مفاهيم تميز بين ما هو ثقافي وما هو اقتصادي وما هو سياسي فعلى سبيل المثال نجد إن مفهوم (الصراع) هو اقتصادي وهو متمايز عن مفهوم (الصدام) الذي يتسم بكونه مفهوما ثقافيا فيما (النزاع) فهو مفهوم سياسي . ولا شيء أدعى اليوم إلى الصدام من اعتقاد الغرب الراسخ بشمولية ثقافته وحضارته (10).إلا إن التحولات التي جاءت مع زوال الحرب الباردة وزوال العدو الاتحاد السوفيتي الذي لم يحقق انتصارا لصالح الرأسمالية بل بزغ بصرع يتجاوز ما هو سياسي واقتصادي إلى صدام ثقافي. وهي نواة هذه الرؤية الشمولية التي يعبر عنها هنتنجتون بلفظة ” الصدام القادم” اذ يقول: ” إن عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي وجدار برلين يتألف من ثمان حضارات متنافسة، لكن الصدام المحتمل على المدى القريب سيكون بين ثلاث حضارات هي: (الحضارة الغربية الرأسمالية، والحضارة الصينية، والحضارة الإسلامية). (11) أما على المدى البعيد فإن هذا الصدام المحتمل سينحصر بين الحضارة الغربية والإسلام. وبذلك كان هذا الكتاب الاستثنائي التوجه الصاعق الفعلي لقنبلة شديدة الانفجار ستتناثر شظاياها على رقعة واسعة، وتصيب الأوساط (السياسية والفكرية والإعلامية الغربية) بالصدمة.(12) هذه القراءة القائمة على اختلاق عدو جديد للغرب يبرر كل الإخفاقات هذا العدو الثقافي يتمركز هذا التصور في الشرق وخصوصا الإسلام، وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي؛ فهناك كثير من الصور النفسية أسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الإسلامي هي مجردة من الحقيقة بل مختلقه إذ يرتبط باختراع الآخر ؛لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف .(فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك أن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر .)(13)

هذه الرؤية التي تصنع من الثقافة أداة للصدام وليس أداة للتواصل رؤية أوجب النقد ولعل هناك من صوب لها النقد من زاوية كون الثقافة هي بالأساس نمط في الفكر ليس في الأنماط الفكرية الأخرى لا أنور ولا اعقل ولا أحدث، ومستنفرا كل وسائله لحمل شعوب العالم على الأخذ بها، على تعارضها مع بعض قيم ومؤسسات وممارسات هذه الشعوب .(14) وأيضا فهذه الرؤية عند هنتنجتون القائمة على تخليق عدو يبرر ما يعانيه الغرب وتسوغ له سياسة العنف والإقصاء ولعل تعبير تودوروف يبين التضاد مع هذا الطرح ويأتي بقول مختلف يوجب فيه أن يكون هناك نوع أخر من العلاقة بين الأنا والآخَر تقوم على اساس قاعدة من الاعتراف، وعلى نحو أخلاقي محدد، تعد الآخَر؛ ذات مماثِلة. (15).

فإن هذه المعالجة تنطلق من تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها وتبدو مضمرة لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة وارتباطها بالهوية والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسية في كشف صورة الآخر (ان الاختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والأخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربية، وفي مجال الآخرية، فإن كان مجال الآخرية في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخرية في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك .)(16)

إلا إن مثل تلك القراءات التي مثلها ” هنتنجتون وفوكاياما ” وما تعكس من موقف من الأخر أمر مؤسس لها من قبل مؤسسات غربية فمقول مشيل فوكو عن العلاقة بين السلطة والمعرفة واضحة ولعل قوله يشرح الحال أن المسألة لا تتعلق بتغيير وعي الناس أو ما يدور بأدمغتهم، أنما بالنظام (السياسي والاقتصادي والمؤسساتي) ؛ لإنتاج الحقيقة .

المبحث الثاني: أصحاب الرؤية الثانية متمثلة بمقولات

“موت الغرب” و” نهاية الغرب وولادة العالم “

1- الخطاب اليمين وسياسة الهوية:

نحن أمام قراءة نقدية عنيفة لمسيرة التحولات الغربية تنطق هذه القراءة من مسلمة قوامها يعود على مرجعيات الخطاب اليميني وهو مصطلح سياسي يطلق على التيارات والأحزاب السياسية لوصف موقعها من ضمن محيطها السياسي،وهذا الخطاب ينقسم على قسمين:

الأول هو جماعات اليمين السياسية التقليدية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع، وسوف نلمس هذه السمة فيما نستعرضه من مقولات هذا المفكر الأمريكي .

والثاني الخطابات السياسية المتطرفة فى الغرب، ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليدية أو المعتدلة وبين المتطرفة أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستعمال العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم، ولذلك عادة ما ترفض تلك التيارات هذا النعت لأنها تزعم أنها تمثل الاتجاه العام وتنقل صوت الأغلبية. (17)

فهذه الأطروحة اليمينية يمكن أن نلمسها في ابرز مقولات هذا المفكر الذي نجده يركز على مخاوف موت الغرب بفعل سياسة الإنجاب وانتشار الهجرة غير المسيطر عليها ولعل هذه المقولة راسخة في عموم الخطاب اليميني اتجاه الأجانب وخصوصا المسلمين إما النقطة الثالثة فهي ما يسميه الدين الجديد أو الثورة الثقافية وهي تسمية مستعارة من مفهوم الثورة الثقافة في الصين وهي استعارة ساخرة تريد إحالة هذه الأفكار إلى الماركسية والخطابات القريبة منها ؛ وكأنه يريد التذكر بالحرب الباردة والخوف من الشيوعية .وقد أخذت عرضه استعراض لهذه المقولات التي سوف نكتفي بهما من اجل البرهنة على اصل أطروحته .

هنا يفتتح المشهد النقدي بعرض رؤيته للأجانب وما يخلقوه من خطر وكأنهم يرتبطون بخلايا إرهابية معادية لأمريكا فيقول بنبر يمينية لا تخلو من التشدد:” لقد كشفت أحداث 11 سبتمبر أيضا خط انقسام جديد إن الصراع الذي أصاب بلادنا ليس متعلقا بالداخل أو بالأيدولوجيا أو بالعقيدة ولكنه متعلق بالعرقية وبالولاء .تجاه استفاقتنا على الإدراك بأن من بين ملايين من الذين ولدوا أجانب ثلثا يقيم إقامة غير قانونية وبأن العشرات من الألوف موالون لأنظمة حكم يمكن إن نكون في حالة حرب معها , وبعض هؤلاء المقيمين مدربون ليكونوا إرهابيين أرسلوا هنا ليقتلوا الأمريكيين .) (18)

انه يحاول توصيف حال جزء ويسقطه على الأغلبية من المهاجرين الذين سقط منهم كثير في تلك الأحداث التي أصابت الجميع ولم تميز بين الناس ؛ إلا أن الباحث يحاول تجيير الحدث من أجل تضخيم أثر الهجرة .وحاله حال حكومته التي استثمرت الأحداث من آجل ضرب وتدمير ثلاثة بلدان إسلامية وزرعت الفوضى الخلاقة بالشرق الأوسط بحجة محاربة الإرهاب . إلا انه يمضي في تجريم سياسة الهجرة ويحيل أسباب الدمار وموت الغرب إلى أن أحد أسبابها هو الهجرة والسياسة الغربية اتجاهها، وهو يرى إن أمريكا ما هي سوى “بوتقة الانصهار”، بقوله: ” في غضون خمس سنوات، لان يكون هناك جنس هو الأغلبية في اكبر ولاياتنا كاليفورنيا وفي أكثر قليلا من خمسين سنه لن يكون هناك جنس هو الأغلبية في الولايات المتحدة ” (19)، ويقول أيضا في الهجرة: ” إن الهجرة غير المسيطر عليها تهدد بتفكيك الأمة التي نشأنا فيها وتحول أمريكا إلى شعوب ململة بدون أي شيء مشترك. لا التاريخ ولا الأبطال ولا اللغة ولا الثقافة ولا العقيدة ولا الأجداد “. (20)

ويتطرق في القضية الثانية المتعلقة بسياسة الإنجاب وارتباطها بعوامل ثقافية منها الحركة النسوية التي ظهرت بعد التحولات الاقتصادية في الغرب وخصوصا أمريكا ” إن هبوط عدد السكان صار سمة للأمم وللحضارات التي تعيش حالة انحطاط . فان الحضارة الغربية في حالة حرجة وذلك ؛ لأن السكان في الغرب مثل ” قطة سيشير” قد بدأوا بالتلاشي.” (21) ويحاول استعراض حالات التي يتصورها سوف تقود إلى تراجع نسبة السكان الغربيين “من بين الأمم الأوربية السبع والأربعين هناك امة واحدة فقط وهي البانيا المسلمة كانت وما تزال تحتفظ في العام 2000م بمعدل مواليد كان ليبقيها حية إلى أجل غير محدد إما بقية أوروبا فقد بدأت تموت . “(22) بالمقابل يستعرض حال ثلاث دول على أساس دراسات مستقبلية: “أوربا في العام 2000م اذ بلغ العدد الإجمالي لسكانها من ايسلاندا إلى روسيا 728 مليون نسمة، ولكن على وفق معدلات الولادة الحالية ومن دون هجرة جديدة سوف يهبط سكانها إلى 600 مليون نسمة مع حوالي العام 2050م .”(23)

تأتي في المقدمة ألمانيا “وألمانيا عام 2050م سيكون ثلاثة وعشرين مليون ألماني قد اختفوا عدد سكان ألمانيا الذي بلغ اثنين وثمانين مليون نسمة سوف يهبط إلى تسعة وخمسين مليون نسمة وعدد الأطفال الألمان تحت سن الخامسة عشر سيكون قد نزل إلى 3, 7 مليون نسمة “. (24)

والمرتبة الثانية ايطاليا “وايطاليا سوف يهبط سكانها في 2050م من 57 مليون نسمة إلى 41 مليون وفي العام 2050م 40% منهم نسن 65 و2% من سكانها يكونون في الخامسة “(25)

ويطرح سؤال كعنوان للفصل الثاني أين ذهب كل هؤلاء الأطفال ؟ وتأتي الإجابة من خلال تحليل الظروف والتحولات الثقافية التي حدثت فى الغرب، وكانت البداية وكأنه عقاب من الله عندما يجعل من هذا النص من سفر التثنية 28 “وسوف تتركون قلة في العدد .بينما كنتم كالنجوم في السماء كثيرة، ذلك بأنكم لم تطيعوا صوت الله ربكم “(26)

هنا نجده يبث عن الأسباب وراء انخفاض النسبة للسكان بفعل عمليات الإجهاض التي كانت 6000حالة ي عام 1966م وقفزت الى 200000 حالة في عام 1970م وفي عام ١٩٧٣م كانت تتم 600000 عملية إجهاض .

ويقول إن إنتاج عقار الإجهاض اريو 486 في الصين وقد يصف المتشككين دور الصين في إنتاج العقار اريو 486 ليستهلك في أمريكا بوصفه عملا في المساعدة على الانتحار لأحد الأمم التي تسد الطريق على بكين من اجل الهيمنة الأسيوية ولتكون قوة عالمية . (27)

ويربط هذا التحول بالأزمات الاقتصادية والثورات التي ظهرت بعدها وظهور الحركات النسوية وما صاحبها من ظهور حريات جنسية وتحول الأمر إلى رغبة في المنفعة من دون الزواج ذلك لان القرارات التي تتخذها النساء اليوم سوف تقرر إن كانت الأمم الغربية سوف تكون موجودة في غضون قرن والنساء الغربيات يصوتن بلا (28).

في الفصل الثالث يتحدث تحت عنوان “كتاب تعاليم الثورة “يتحدث عن التحولات بين الدين القديم والدين الجديد إي هو هنا في توصيفه هذا يريد أن يميز بين نمطين من الفكر الأول القديم الذي يجده يوافقه كيميني ويرتضي المحافظة عليه وحماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع التي يجد إن تغيرها قاد إلى نتائج كارثية قادة الغرب إلى الموت والتلاشي . زمن بين هذه الأفكار يأتي:”أن الإيمان الجديد من هذا العالم وبهذا العالم ومن اجل هذا العالم فقط ويرفض أن يعترف بأي نظام أخلاقي، على وفق تعاليم دين الثورة فان النظام الأخلاقي المسيحي القديم الذي يدرس ممارسات الجنس خارج الزواج. وهو نظام أخلاقي انغرس في الانحياز وفي التعصب الانجيلي وفي العقيدة الدينية والتقاليد البربرية”.(29) إي انه يرى الأفكار الجديدة التي تدعو إلى تجاوز الأصولية هي في الحقيقة تشكل تحولا سلبيا مضرا بما تدعو له من تحولات جعلت الغرب يتغير ويتجاوز القيم والأعراف التي تعود عليها وكانت تحقق له التماسك من قبل إما في مجال السياسة فيصف التحول الذي حصل بالقول:” في السياسة الإيمان الجديد عولمي وتشكك بالوطنية وذلك ؛ لأن الحب للبلد يؤدي في الغالب الى الشك بالجيران ويؤدي في الغالب إلى الحرب”. (30) وهو هنا ينتقد مفاهيم العولمة وما جاء من أفكار سياسية بما بعد الدولة الوطنية .ثم انه يشير وهي صفة في مقاربته انه يعتمد على توصيفات مجازية من دون تحديد الأفكار بشكل مباشر بل يعتمد على المجاز والتورية في التحولات التي أصابت المشهد الديني التبشيري بالمسيحية وما يتعلق بنظرية المساواة والداعية إلى المساواة اذ نجده ينتقد كل هذا بالقول:” المساواة هي المبدأ الأول ومن يخطئ ضد المساوة فهو خارج الكنيسة ومن هذا الدين الجديد لا دين أعلى نفوذا ولا ثقافة أعلى تفوقا ولا حضارة أعلى تفوقا من غيرها “. (31) وعلى ذات النهج يتجاوز ما هو مباشر ويشير إلى ما هو كامن في الظل ويمنحه بروزا؛ فهو عندما يقف عند أحد رجال الاستبداد في أمريكا اللاتينية فانه نقد تجاوزي واستبداد ؛ فانه يرى جوانب هي حاضرة لدى الفكر اليميني بالقول:” بالنسبة إلى الثورة الثقافية فالعدو دائما في اليمين والثورة لا تغفر ولا تنسى فان المطاردة التي لاتعرف الرحمة للجنرال بينوشية حتى قبره هو المستبد الذي سحق الكاستروية في تشيلي.. (32)

نجد انه في هذه الأفكار اليمينية يحاول تناول مواضيع كثيرة ؛ إلا إن النقد الذي نجده يحتاج إلى الرد هو الموقف من الهجرة التي أصبحت أفكار اليمين بحقها تتضخم كل يوم، وعندما نقارب الأفكار المنصفة في هذا المجال يتبين لنا ما هو منسي في الأمر .

بما يتعلق بالتعويضات إلى المهاجرين من اجل العودة إلى بلدانهم وعلى وجه الخصوص المسلمين الأتراك في ألمانيا والأمر الثاني الخدمات الصحية التي تكلف الدول الغربية والاتهامات إلى المهاجرين ولعل البطالة هي الأمر الأهم في تصريحات أهل اليمين وتوظيفها في التنافس السياسي،فدفع هذا خصومهم إلى إعلان الحقائق ” فبدأت تظهر مواقف “توضيحية” كالأرقام التي نشرت مثلا عن أن حصيلة ما يسدّده سائر الأجانب مقابل ما يحصلون عليه في قطاع الضمانات الاجتماعية، يوفّر في الميزانيات الرسمية المليارات التي تستعمل لصالح سواهم من المستفيدين من الضمانات الاجتماعية، أي من أهل البلاد الأصليين. كما بدأت تُنشر كمثل آخر أرقام مثيرة للمخاوف بصدد انخفاض نسبة القادرين على العمل بالمقارنة مع ارتفاع عدد المسنين في المجتمعات الأوروبية، وبسرعة متزايدة ستجعل من المستحيل تغطية النفقات التقاعدية من دون الاعتماد على العمال الأجانب، وارتفاع نسبة المواليد وبالاتي التعويض عن النقص المحتوم في سوق الأيدي العاملة.”(33)

الموقف الثاني: هيرفيكيمف “نهاية الغرب وولادة العالم”

المقاربة الثانية النقدية هي بمثابة مقاربة تحاول استثمار المعطيات العلمية في نقد النتائج الكارثية التي قادت لها أنماط السلوك الغربية من أشكال مدمرة للكوكب يمكن تناول نقطتين:

أولا: في هذا المجال هنا أسماء كثيرة مهمة في هذا المجال فقد سبقوا ” هيرفيكيمف “، كان من أبرزها هانس جوناس مؤلف كتاب “المسؤولية كمبدأ ” وقد عرض للخطر المدمر الذي يمر به العالم بسبب الانفتاح التطور الاقتصادي والتطور التكنولوجي السريع . إذ يستعرض أيضا في كتابه الأخر “حتمية المسؤولية وهو بمثابة بحث في أخلاقيات التكنولوجي .(34)ونجده يؤكد على إن ” اصل المسؤولية كحافز ذاتي لدى الفرد فالتربية على قيم المسؤولية وعلى فهم المسؤولية وعلى القيام بالمسؤولية ؛ فهو شأن ذاتي صرف، فضلا عن الشأن المجتمع والدولة في تربية أجيالها ومواطنيها على القيام بذلك .”(35)

فهناك كثير من الدراسات التي توقفت عن التحولات التي أصابت البيئة فقد عدت بوصفها “إنتاجا حتميا للتقنية العلمية، إذ أن حاجة التقنية للطاقة الحرارية، والية استهلاكية تفرض فضاء خاصا للنفايات فكانت البحار، والأنهار الحل الأمثل لهذه الأزمة عند المؤسسات الكبرى، كما كانت مصادر الطاقة الطبيعية هاجسا عند رواد الرأسمالية الصناعية والتجارية والذي طرح سؤالا أخلاقيا رئيسا هو: هل الغايات تمنع المشروعية للوسائل ؟ وبدأ التساؤل عن الحق في بيئة سليمة أمام الحق في ملكية الفرد لمؤسسات اقتصادية وتجارية، فبدأ السجال الفكري حول أخلاقية البيئة، أو تبيئة الأخلاق، فكانت الفلسفة الخضراء أو التوجه نحو اخضرار الفلسفة “.(36).

ثانيا: بعد هذه المقدمة نود التوقف على الاطروحة الثانية التي يمثلها ” هيرفيكيمف” وهو كاتب سياسي متخصص في مسائل “حماية الطبيعة” في الإطار السياسي، وهو كاتب افتتاحيات حول موضوعات متنوعة في صحيفة “لوموند الفرنسية”. من مؤلفاته: من أجل إنقاذ الأرض، اخرجوا من الرأسمالية.(37) في مجال تشخيصه لهذه الأزمة فانه ينطلق من كونه متخصصا في مسائل البيئة وعلاقتها بمستقبل العالم،ولعل هذا هو القاسم المشترك مع الأطروحة الأولى التي جاء ذكرها فى بداية هذا البحث ؛ إلا انه ينظر من زاوية علمية وليس ايدولوجية ففي أفكار لا نجده ينطلق من أفق يميني بل هو اقرب إلى اليساري من خلال أطروحته، إذ يذهب إلى القول، إن الأمر أبعد من أزمة، إنه يتعلق بـ: “نهاية الغرب وولادة العالم”، كما يقول عنوان كتابه الأخير.وهذه الفقرة مركزية في معالجته فهو يشير إلى جملة نقاط تؤكد على موت هذا الغرب الذي كلف الطبيعة كثيرا ؛ بفعل ثقافته القائمة على الاستهلاك .ولهذا يقدم لنا صياغة تأخذ بعدا قوامه نوعاً من “النداء” الموجه إلى الغرب، من أجل أن يتوقف عن سرد القصص والحكايات عن الأزمة. ويواجه صميم المشكلة المطروحة على هذا الغرب، بل وعلى العالم كله، في بدايات القرن الحادي والعشرين. وتتأسس على خلفية هذا النداء، على مقولة جوهرية، مفادها أنه من المستحيل تعميم انموذج موديل- الاستهلاك الغربي على صعيد العالم كله. ذلك أن الأذى الذي يلحقه هذا الأنموذج على البيئة، يمنع تعميم مثل هذا الأنموذج. (38) ويعلل هذا الاستنتاج بالآتي:

1- انه ينبغي إفقار الغرب أمر لا بد منهمن خلال تجاوز نمط الحياة المكلف للكوكب وهذا يعني على المجتمعات الاستهلاكية الغربية خاصة، والغنية عامة، تقليص مستوى استهلاكها ؛ كي يأخذ جميع أبناء الإنسانية نصيبهم من ما تنتجه الأرض. إذ إن الغرب لن يستطيع، بحسب تحليلات المؤلف، أن يتابع مسيرته وتوجهاته نحو رفع مستوى ثرائه المادي.

2- ومن اجل تحقيق هذا التحول – بحسب المؤلف – يفترض بهذه المجتمعات الغربية تحديداً، أن تتأمل جيداً الماضي،وما خلقه نمط الاستهلاك من نتائج مدمرة للبيئة فإدراك الأسباب يقود إلى تدبر السبيل الأفضل للتوجه نحو المستقبل. وهو يمارس هذا التدبر في القسم الأول من الكتاب الذي هو بمثابة نوع من “إعادة القراءة” في تاريخ الإنسانية، اذ قاده هذا الطريق إلى إدراك المشكلة الكبيرة المطروحة على البشرية، حالياً، يحددها في كون البشر أصبحوا أكثر عدداً وأكثر شراهة.. والأرض التي هي المصدر الأساسي لتغذية أبنائها، ولكنها لم تعد قادرة على تأمين متطلبات نمط الاستهلاك الغربي لـ9 مليارات من البشر.

3- فهذا التدبر سوف يقودنا الى إيجاد حلول هي بمثابة المخرج لتجنب الحروب المحتملة، على مصادر الطاقة وغيرها من الثروات “غير المتجددة، أي المحكوم عليها بالنضوب الكامل، في أفق قريب. فالعالم الذي سوف يخلق موت الغرب يعني مغادرة حالة الرخاء الراهنة، كي ينبثق بالمقابل، عالم جديد. وبالاتي ينبغي على المجتمعات المعنية، الغربية، أن تستعد للتأقلم مع “العالم الجديد”.

4- ويعلل سبب هذه الرؤية النقدية التي قوامها موت الغرب بمعانيه الاستهلاكية المتمركزة حول ذاته على حساب العالم بكل دوله وشعوبه، وبالاتي يشدد المؤلف على أن “نموذج موديل- السعادة بوساطة الاستهلاك”، أصبح حلماً بالنسبة لمليارات البشر في العالم. وغدا يتقاسم مثل هذا الحلم، أبناء البلدان الفقيرة قبل غيرهم. إذ إن طموحهم يتجه نحو زيادة الاستهلاك. وفي محصلة القول، يرى المؤلف أن ثروات الأرض من مصادر الطاقة، لا تزال تكفي للاستهلاك لعقود قليلة قادمة. لكن صياغة الاستراتيجيات المستقبلية على مدى عقود قليلة، يعني بكل بساطة، تمسّك الأجيال الحالية بأنانيتها، حيال الأحفاد.

النقد عن طبيعة التحول وأسبابه كانت هناك مقاربة من خارج الغرب هي التي جاء بها الكاتب فى السياسة والاقتصاد “كيشور مهاهاباني “، يرى “عالما اقتصاديا مختلفا” يتشكل في الآفاق، في كتابه الذي يحمل عنوان “هل خسر الغرب؟”.، وقد شخص أخطاء الغرب الإستراتيجية وقع فيها الغرب خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة أدت لتراجعه نسبيا حتى بات عرشه العالمي مهددا:

وأولها كان مع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩٠م،اذ صدق الغرب ادعاءات “فوكوياما” بـ”نهاية التاريخ” بانتصار الحضارة الغربية، بما أصاب الولايات المتحدة وأوروبا بما يصفه الكاتب بـ”ضرر بالغ في العقلية”، أدى لتراخيها.

وجاء الخطأ الثاني في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الشهيرة، اذ تورطت الولايات المتحدة في العديد من الصراعات في العالم الإسلامي، فقضت عقدا كاملا تقريبا وهي تحارب وتبدد مواردها الاقتصادية، وفي العام نفسه (2001م) التحقت الصين بمنظمة التجارة العالمية، واستفادت خلال هذا العقد من انضمام حوالي 800 مليون شخص لسوق العمل عالميًا، بما زاد من القدرة الشرائية، وكانت الصين في صدارة المستفيدين من هذا النمو العالمي.

وجاء الخطأ الثالث في عدم البحث عن سبل جديدة للنمو، ففي الوقت الذي كانت نسبة إسهام الولايات المتحدة في الناتج العالمي 25 في المئة عام 1980م كانت الصين 2.2 في المئة فحسب، وظلت الصين تنمو باستمرار حتى ضاقت الفجوة كثيرا بين البلدين فيما تشير التوقعات إلى إغلاق الفجوة بشكل كامل خلال أعوام قليلة، بل وتشير تقديرات مستقلة بعيدا عن الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدولي –وفقا لـ”مهاهاباني”- إلى أن الصين أصبحت الاقتصاد الأكبر بالفعل منذ عام 2020م .

ما يمكن أن نختم به هنا أن الغرب يمثل تجربة بشرية عرضه إلى القوة والضعف إلا أن المهم هنا هو دور العالم غير الغربي ومنه نحن ونحن نرى أن أمم استطاعت أن تخلق تجربتها إلى جعلت منها قوة لها تأثيرها العالمي مثل الدول الآسيوية التي اتسمت “الإرادة والتركيز”، اذ تتجنب إنهاك نفسها في صراعات جانبية وتهتم بالأساس بتنمية الاقتصاد، ولذلك ينمو اقتصادها بينما تبقى معدلات النمو الغربية متدنية مقارنة بالآسيويةولعل هذا متولد من توظيفها الطاقات في التربية والتعليم والخصوصية الثقافية .

د. عامر عبد زيد الوائلي

(1) محمد عابد الجابري، الغرب والإسلام 1- الأنا والآخر… أو مسألة الغيرية.

(2) مكي سعد الله مصطلح “الغرب ” بين النشأة الأسطورية والنهاية الكوسموبوليتية، موقع مؤمنون بلا حدود، الرباط، 2020.

(3)) نبيل مرسي خليل: التخطيط الاستراتيجي، دار المعرفة الجامعية، ط1، الإسكندرية،1994، 17-18.بواسطة علي عبود المحمداوي، البيوتيقا والمهمة الفلسفية..، الاختلاف، ط1، بيروت، 2020م، ص221.

(4) علي حرب،العالم ومأزقه. ، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2002م، ص11.

(5) جميلة حنيفي، موقف هابرماس من الحداثة وما بعد الحداثة، ضمن الكتاب الجماعي “يورغنهابرماس”، ابن النديم للنشر والتوزيع،ط1، بيروت، 2020م،ص86-87.

(6) رسول محمد رسول، مارتن هيدجر عربيا، دار تنويرات، ط1 الكوفة،2020م، ص 6.

(7) رائد عبيس، فلسفة السخرية عند بيترسلوتردايك، منشورات اختلاف، ط1، بيروت، 2020م، ص 128.

(8) وهذا ما عبر عنه في مفهومه ” العالم مسطح ” تاريخ موجز للقرن الحادي والعشرون’ (بالإنجليزية: The World Is Flat) كتاب تأليف الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان. قدمها لأول مره عام 2005م ويتناول الكتاب موضوع العولمة، وهو لا يقصد بسطحية الأرض ولا الأرض كطبيعة جغرافية بل عالم بدون حواجز وبدون حدود وذلك بتأثير العولمة على كل الشعوب في العالم.

(9) صموئيل هنتنغتون: صدام الحضارات، مركز الدراسات الإستراتيجية، ط1، بيروت، 1995م .

(11) المرجع السابق.

(13) الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، بيروت، 1999م، ص 21.

(14) طه عبد الرحمن،تعددية القيم بين واجب التعدد وواقع الصدام، دراسات فلسفية، العدد الثاني سنة 2002م، ص 107 .

(15) يُنظَر: تزفزتيان تودوروف، فتح أمريكا، سينا للنشر، القاهرة، 1992م، ص142.

(16)) نادر كاظم، تمثلات الآخر، 2004م، ص 15.

(17) نبيل شبيب، اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا، https://www.aljazeera.net

(18) باتريك جيه بوكائن، موت الغرب اثر شيخوخة السكان وموتهم وغزوات المهاجرين على الغرب، ترجمة محمد محمود التوبه، مكتبة العبيكان،ط1، الرياض،2005 م، ص14.

(19) المرجع نفسه، ص16.

(20) المرجع نفسه، ص17.

(21) المرجع نفسه، ص31.

(22) المرجع نفسه، ص32.

(23) المرجع نفسه، ص33.

(24) المرجع نفسه، ص37.

(25) المرجع نفسه، ص40.

(26) المرجع نفسه، ص59.

(27) المرجع نفسه، ص63.

(28) المرجع نفسه، ص65.

(29) المرجع نفسه، ص1009.

(30) المرجع نفسه، ص112.

(31) المرجع نفسه، ص120

(32) المرجع نفسه، ص126.

(33) نبيل شبيب، اليمين المتطرف ومستقبل المسلمين في أوروبا، https://www.aljazeera.net

(34) رائد عبيس مطلب، أخلاق المسؤولية عند هانس جوناس، ضمن كتاب النظرية الأخلاقية، دار ابن النديم، ط1، بيروت، 2020م، ص 317 وانظر:

Hant jonas the imperative of responsibility in search of an ethics for thetechnological age .Translation .age .translation Hans jonas and Herr .the university of Chicago prees ltd. London 1984 ,p6.

(35) شريقي أنيسة، هانس يوناس ومبدأ المسؤولية، ضمن كتاب: الاتيقيا المتشظية، دار جيكور،ط1، بيروت ص 213.

(36) شريف الدين بن دوبه، أخلاقيات البيئة، ضمن كتاب: الاتيقيا المتشظية، دار جيكور،ط1، بيروت، 2020، ص247-247.

(37) هيرفيكيمف، نهاية الغرب وولادة العالم، الناشر: سويل- باريس- 2020،الصفحات:192 صفحة

(38) نهاية الغرب وولادة العالم، جريدة البيان، التاريخ: 16 أغسطس 2020

العنف الأسري في زمن كورونا أمتداد لما قبله

من الجدير بالذكر أنّ العنف الأسري يُعَدّ واحداً من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم قبل تفشّي فيروس كورونا الجديد، وقد زاد تفاقم الوضع مع الجائحة الحالية. وبحسب الأمم المتحدة، فإنّ نحو 243 مليون امرأة (تراوح أعمارهنّ ما بين 15 عاماً و49) حول العالم تعرّضنَ في خلال الأشهر الاثني عشر الماضية لعنف جسدي أو جنسي من قبل شريك أو أحد أفراد العائلة. لكنّ الأرقام الحقيقية، بحسب المتوقّع، قد تكون أعلى بكثير، بسبب التحديات الكبرى المتعلقة بجمع البيانات. فنسبة 40 في المائة فقط من النساء اللواتي يتعرّضن لعنف أسري يتقدّمنَ بطلب مساعدة، وأقلّ من 10 في المائة من النساء اللواتي يطلبنَ المساعدة يتقدّمنَ ببلاغ لدى الشرطة ضدّ من اعتدى عليهنّ. وفي ظلّ الظروف الحالية والعزل المنزلي المعمول به في بلدان كثيرة، فإنّ الإبلاغ والحصول على مساعدة صارا أكثر تعقيداً. وتشير تقارير الأمم المتحدة كذلك إلى أنّ دولة واحدة من بين كلّ أربع دول حول العالم لا تتوفّر فيها أيّ قوانين تحمي النساء من العنف الأسري على وجه التحديد. وتقدّر المنظمة الأممية التكلفة العالمية للعنف ضدّ المرأة قبل الجائحة بنحو 1.5 ترليون دولار أميركي وتتوقع أنّ يتصاعد الرقم في ظلّ زيادة العنف ضدّ النساء في أعقاب تفشّي فيروس كورونا الجديد.

أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بيان لها صادر عن المديرة التنفيذية فومزيل ملامبو-نجوكا، في 20 مارس الماضي، إلى أن الآثار السلبية التي سيحدثها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، لن تتوقف عند ما يتعلق بالصحة العامة ووقوع الوفيات، وقرارات العزل المنزلي، ولكنه تطرق إلى التأثيرات المتعلقة بأوضاع النساء الاجتماعية، وكان الخوف الأكبر هو “العنف الأسري”.

وأوضحت الأمم المتحدة للمرأة أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، التي جاءت نتيجة العزل المنزلي والصحي لفترات طويلة مع مخاوف الأمن والصحة وظروف المعيشة، من الممكن أن تساهم في ارتفاع حالات العنف الأسري المنزلي والاستغلال الجنسي، فهناك 137 امرأة يتم قتلها يوميا على يد أحد أفراد أسرتها، وفي البلاد التي طبقت العزل الاجتماعي كانت حالات العنف المنزلي التي تم الإبلاغ عنها قد تزايدت 3 أضعاف وأكثر من ذلك.

إجراءات الإغلاق وحظر التجول ومنع مغادرة المنازل إلا في حالات معينة أو ساعات محددة، تسعى إلى القضاء على انتشار الفيروس في التجمعات، ولكن رئيسة التحالف الوطني ضد العنف المنزلي في الولايات المتحدة، رُوث غلين، قالت “في هذا الوقت بالتحديد، مع كوفيد-19، المنزل قد يكون صعبا جدا بالنسبة لضحايا العنف الأسري والناجين، لأن المعتدين يستطيعون استغلال الوضع للتحكم بشكل أكبر في ضحاياهم”. وبحسب التحالف الوطني ضد العنف المنزلي، فإن 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة، يتعرضون سنويا للعنف الجسدي من قبل شركائهم. وتعرضت امرأة بين كل أربع نساء، ورجل بين كل سبعة رجال، لعنف جسدي شديد على يد شريك حميم”.

وتسجل إحصاءات الأمم المتّحدة أن 37 في المئة من النساء في العالم العربي تعرّضن لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة على الأقل في حياتهنّ، وأن ستّاً من كلّ عشر نساء معنّفات، لا يُخبرن أي جهة عن معاناتهنّ. أرقام تنشر ذعراً اجتماعياً، في ظلّ الحجر الصحّي الذي نعيشه، وصرخة إلى الحكومات والجمعيات النسائية في الدول العربية للتحرّك في اتجاه حماية الفئة الأكثر معاناةً في هذه المحنة، فكيف الحال عندما يتزايد العنف اكثر من ثلاثة اضعاف. وهناك صور مروعة للعنف الأسري في البلاد العربية، من قتل وحرق وتعذيب ورمي بالرصاص واغتصاب وتحرش جنسي بقاصرين في ظل غياب قانون مناهضة العنف الأسري” والعراق احدى هذه الدول رغم ادعائه الديمقراطية والتعددية وحق المساواة دستوريا “. ويشكل العنف الأسري ظاهرة كونية لم تستثني قارة أو بلدا إلا وضربته وكانت كورونا تلك الشرارة التي اشعلت السهل كله. والخلاف هنا في مستويات وسقف الحماية الدستورية والقضائية والتشريعية التي تجرم العنف وتحمي ضحاياه.

ونظرا للأحساس المتزايد في المشكلة على الصعيد العالمي وخطورتها فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش من مقر المنظمة الدولية في الخامس من ابريل 2020، إلى حماية النساء والفتيات، من العنف الأسري، وسط تقارير عن تزايد حالات العنف المنزلي والأسري خلال فترة الحجر الصحي، على خلفية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيدـ19). وقال غوتيريش في بيانه المصور، والذي تم ترجمته إلى عدة لغات، إن “العنف لا يقتصر على ساحات المعارك”، مذكّرًا بندائه الأخير إلى وقف لإطلاق النار في مختلف أنحاء العالم للمساعدة في الحد من تفشي فيروس كورونا. وأضاف الأمين العام للأمم المتحدة، أنه “بالنسبة للعديد من النساء والفتيات، فإن أكثر مكان يلوح فيه خطر العنف هو المكان الذي يُفترض به أن يكون واحة الأمان لهنّ. إنّه المنزل. ولذا، فإنّني أوجّه نداءً جديدًا اليوم من أجل السلام، في المنازل في جميع أنحاء العالم”.وأوضح أمين عام الأمم المتحدة “على مدى الأسابيع الماضية، ومع تزايد الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتنامي المخاوف، شهدنا طفرة عالميّة مروّعة في العنف المنزلي”.

وحث غوتيرش جميع الحكومات على “جعل منع العنف ضدّ المرأة وجبر الضّرر الواقع من جرّاء هذا العنف، جزءًا رئيسيًا من خططها الوطنيّة للتصدّي لكوفيد-19″، كما دعا النظم القضائيّة إلى مواصلة “مقاضاة المعتدين”، مطالبًا بشكل خاصّ بـ”إنشاء أنظمة إنذار طارئة في الصيدليّات ومحلات البقالة” وهي الأماكن الوحيدة التي تزال مفتوحة في بلدان كثيرةن مشددًا على ضرورة “تهيئة سبل آمنة للنساء لالتماس الدعم، دون أن يتنبَّه المعتدون”.

ومن الناحية السيكواجتماعية فأن العنف المنزلي ضد المرأة يعد جريمة يرتكبها فرد يشترك مع الضحية بمكان الإقامة، وأن الدوافع الاجتماعية في العادات والتقاليد التي يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد، قد تكون من الأسباب والدوافع الرئيسية للعنف الأسري مع الوضع في الاعتبار اختلاف تلك المعتقدات من مجتمع إلى آخر، لكن العلماء قد اجتمعوا على أن العنف الأسري هو أي سلوك يراد به إثارة الخوف أو التسبب بالأذى سواء كان جسدي أو نفسي، أوتوليد الشعور بالإهانة في نفس الشريك أو إيقاعه تحت أثر التهديد أو الضرر.

وتختلف صور الدوافع الاجتماعية المؤدية إلى العنف باختلاف مستوى تأثر الأسرة بالمحيط الخارجي، وباختلاف شكل الأعمال والتقاليد والأعراف، فتكون درجة العنف إما كبيرة أو صغيرة ويقاس ذلك بمدى انتشار صور الدوافع الاجتماعية المؤدية للعنف المنزلي، والتي منها اختلاف المستويات الفكرية والثقافية والعمرية والدينية والاجتماعية بين الزوجين، إضافة إلى أن التنشئة الخاطئة لأحد الوالدين أو كلاهما تعد من العوامل الرئيسية للعنف الأسري، فضلاً عن فقدان لغة التواصل والحوار بين أفراد الأسرة، وضعف الروابط الأسرية والنزاعات المستمرة حول أساليب تربية الأطفال. كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور في حياة الأسرة الناتج عن فقدان الدخل المادي بسبب فقدان الوظيفة أو تراكم الديون من الأسباب الأساسية لوقوع العنف المنزلي ضد المرأة، وذلك نتيجة لظهور مشاعر الخيبة وارتفاع مستويات التوتر بسبب حالة الفقر التي تعيشها الأسرة.

وعلى الرغم من انتشار أفكار العدالة والمساواة بين الجنسين على نطاق واسع في عالمنا المعاصر اليوم، واكتساب المرأة المزيد من الحقوق في مساواتها مع الرجل، وخاصة في أوربا والعالم الغربي المتمدن، واتساع نطاق مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقريريها لشأنها الخاص دون وصايا، إلا إنها إلى اليوم لا تزال مشروع منافسة غير متكافئ أمام الرجل في مجالات مختلفة، مهنية وقيادية وعلمية وحتى في الحوافز المالية والمرتبات، وتحول شرائح واسعة من النساء إلى قوى عاملة رخيصة يستعان بها في وقت الأزمات الاقتصادية، أو يتم تسريحها من العمل حال دخول المشروع الاقتصادي للمنافسة بين شغيلته. وتتحول العائلة إلى مشروع اقتصادي تندمج بالية السوق وتستجيب لحاجاته وتتأثر بأزماته. وإذا اقتنعنا بتجريد خالص بالفكرة الماركسية القائلة بأن انقسام المجتمع إلى طبقات يقف وراء استغلال المرأة، فأن المجتمعات الأوربية والأمريكية اليوم أكثر المجتمعات طبقية واستقطابا في الثراء والثروة، وهذا يعني أن الحديث عن العدالة بين الجنسين هنا لا يخلوا من تحفظات كثيرة. ناهيك إلى ما تتعرض له المرأة في هذه المجتمعات من مختلف سوء المعاملة من اعتداء وانتهاك لحرمتها وحريتها الشخصية،على الرغم مما قطعته من شوط بعيد في المساواة بين الجنسين، ويكفي أن نشير هنا إلى أن في أمريكا وحدها ترتكب كل ساعة بحدود 80 حالة اغتصاب، إلى جانب ما يتم من حالات اغتصاب كثيرة في دول أوربية مختلفة.

أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف، حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة، هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها، حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها، من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية، كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها ” كإرضاع الكبير ومفاخذته “، وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت، ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية، ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتتعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى شتى مظاهر التضييق والإكراه الجنسي، فحال وجودها بمفردها في الشارع أصبحت مشروعا للتحرش والمضايقات وسوء الظن بها وبطلعتها، فهناك إحصائيات تؤكد أن 60% من الفتيات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي ابتداء من الملامسة لأجزاء الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب التام لها، مرورا بالعنف الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في البيئات الفقيرة والمتخلفة، والتي ترى في المرأة موضوعا جنسيا لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن الرغبة للطرف الآخر، إلى جانب ظاهرة الاغتصاب واستخدام القوة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحية، وتشير التقارير الأمنية المصرية أن هناك ما لا يقل عن 27 حالة اغتصاب يوميا، أي ما يعادل 10000 حالة سنويا ” نقلا عن الانترنيت “، كما تنتشر حالات الاغتصاب في دول المغرب العربي وفي لبنان وفي العراق ” وخاصة بعد أرث الاحتلال الأمريكي له “، وكذلك في الدول الخليجية حيث ينتشر الاغتصاب في أوساط الدائرة القريبة للضحية، كسائق الأسرة أو الخادم ومن محيط العائلة والأقارب أو ذوي المناصب وغيرها. وعادة لا يجري في مجتمعاتنا التبليغ عن جرائم الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وأسرتها وعشيرتها، وخاصة في مجتمعات مسلمة تتدعي التدين، وعادة ما يلقى اللوم على المرأة باعتبارها هي مصدر الإغراء والمسبب لذلك.

أن كورونا أماطة اللثام عن المستور والمتستر عليه ودقت جرس الأنذار وفضحت الثقافة الذكورية المبنية على الأزدواجية في الأخلاق والتعامل وخاصة في فترات المحن والازمات، وكشفت كورونا طبيعة العلاقات الهشة القائمة على عقود زواج وأوراق مصدقة من المحاكم وذات طابع هش تنكسر حين تحل الازمات، واثبتت أن «عش الزوجية» أو «القفص الذهبي» ليس سجنا، كما يدعي البعض، بل حلبة ملاكمة يتصارع فيها طرفان غير متساويين، أحدهما مجبر على حماية الأطفال خلال نوبة الجنون التي تصيب الزوج ” الذكر ” أو “الشريك”. ولعل ما بعد كورنا ودروسها المستخلصة ان نكون أكثر رقيا في ديننا واخلاقنا وفهم ذواتنا وأن الشراكة الحقيقية لا تكون إلا بالحب وحده وليست بالأكراه في العيش مع الشريك.

تفكيرٌ في الدّين (9)

كما يكون الحضور في القرآن مطلبَ علم نظري وعقل مجرّد، يكون كذلك مطلب وجدان صوفي صادر عن القلب، وشعور فياض بالمعاني الباطنة، وبالقيم السامية وبالمبادئ الروحية النبيلة. وعلى هذه الفكرة، وفي إطارها، يُجمل بنا في هذا الصدد مناقشة تلك الوجهة من النظر، وهى التي حمّلها “عابد الجابري” كتاباته في مُدْخَله إلى القرآن؛ مناقشة قد تطول معنا – ولابد منها – ليطول من أجلها هذا المقال فيما لم يكن من المعتاد الذي أردناه أو خططنا له.

مناقشة لا بد منها:

وربما تفْرِض علينا هذه المناقشة أن يطول معنا هذا المقال على غير المتوقع، وكان لا بد منها، وبخاصة أنها تتصل بالقرآن كونه معجزة روحية عقلية معاً؛ إذْ كان النظام الروحي هو بمثابة أساس التهذيب وأساس قواعد الخُلق. ولا ريب جاء حضور القيم في القرآن العزيز، مطلق القيم ومطلق الخُلق الكريم؛ ليشكل معجزة روحية تضاف إلى المعجزة العقلية بما من شأنه أن يكشف عن الذاتية الخاصّة للقرآن.

فإذا كان هناك وجهتين للنظر: الأولى تعتبر القرآن علاقة حميمية مع النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه: علاقة يومية بل لحظية، وهذا صحيح، ولكنها بقيت تتحرك دوماً في حدود المعقول. وأنه ليس في الإسلام ما من شأنه أن يجعل المعرفة بالدين تقع خارج تناول العقل. وإنه؛ إذا وجد هذا الإيمان “بالأسرار” (Mysteres) في كل دين، فكان من ضمن خصوصياته في كل الثقافات، فلن يكون موجوداً في الإسلام؛ إذْ كانت حياة الرسول وتعاليم الكتاب موضوعاً مفتوحاً لإعمال العقل. فهذه التقريرات فيها الخطأ وفيها الصواب، والصواب محمولٌ فيها على توجُّه بعينه يأتي من جنس الحق الذي يُراد به باطل، والاجتهاد الذي يعوزه الإنصاف. ومن أجل ذلك، فرضنا في هذا المقال تلك المناقشة الطويلة.

أقول؛ إذا نحن أردنا مناقشة هذه الوجهة من النظر فأول ما يتبادر إلى الأذهان منها أنها وجهة ليس من حقها أن تلغي تماماً – كما أراد لها الجابري – وجهة النظر الأخرى التي تكملها ولا تناقضها.

بادي الرأي عندي: تأخذ بالأساس الروحي الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية برمتها كما صَوّرها القرآن الكريم. وجهة النظر الأولى تقوم على العقل، لكن “العقل” مع ذلك محدود، والمعارف العقلية ليست كل شيء في القرآن.

ولم يكن العقل المنطقي الاستدلالي الذي يريد الجابري أن يُعْمِلَه في القرآن كافياً بغير معالجة العقل البصيري المتمم له، والمكمّل لنقصانه، والمُسدّد لقصوره عن الإحاطة بملكات الإنسان المعرفية تتوزّع فيها الطاقات الباطنة، مُفرزةً القيم التي تغذي الإنسان بالمُضيّ قدماً نحو ربط الدنيا بالدين، والمسير بالمصير.

ولم يكن العقل في الإسلام بالمعزول عن القيم الحضارية كما صَوّرها القرآن لأنه لم يكن عقلاً منطقياً محدوداً بحدود ما يُفكّر فيه، ولم يكن عقلاً حداثياً يعالج حقبة زمنية أو فترة من فترات التاريخ المحدود بحدود ما فيه من ظواهر فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية أو ما شئت أن تضيف. ، ولكنه كان عقلاً مفتوحاً، يعطي المبدأ المُطلق للإنسان بالأخذ به في كل مناشط الحياة، ولا يقيّده عن النظر والبحث، ولا يغلُّه عن الحركة، وإنْ كانت الحركة في إطاره محدودة بحدود المساحة المعرفية التي يتحرك فيها. فالعقل في القرآن ليس هو العقل الذي أراده “الجابري”؛ ليكون موظفاً يخدم اتجاه كان تبناه؛ ليلغي سائر الاتجاهات الأخرى التي تكمله ولا تنفيه.

كتب المرحوم الدكتور هيكل – طيّبَ الله ثراه – في خاتمة كتابه “حياة محمد” بحثاً ممتازاً مطولاً بعنوان “الحضارة الإسلامية كما صوّرها القرآن”، هو من أروع وأمتع ما قرأت من بحوث، لست أجدُ بدّاً من الاستدلال به؛ كقيمة معرفية كبرى، تجيء في إطار هذه المناقشة؛ لتكون وثيقة بالغة الأهمية، شاهدة – بعد فيضٍ لا يُجَارَىَ من الوثائق التاريخية والعلمية المُمَحَّصَة التي اعتمد عليها في هذا الكتاب – على أصالته العلمية، وأصالة الرأي الذي انتهي إليه. ففي الصفحات الأولى منه مقارنة بين الأساس المادي للحضارة الغربيّة التي عزلت منطق العقل عن منطق الشعور والوجدان، واكتفت بالعقل المنطقي الاستدلالي أو منطق العقل المُجرَّد ومقررات الواقع كيما تعتمد فقط على الملاحظة المادية أو ما يُسمى لاحقاً بالتجريبية العلمية، وبين الأساس الروحي للحضارة الإسلامية. فالأساس الذي قامت عليه هذه الحضارة غير الأساس الذي قامت عليه تلك الحضارة؛ ولسوف نعتمد على هذا العنصر في مناقشتنا لمحمد عابد الجابري؛ لأنه بتلك العبارات السابقة طمَسَ المعجزة الروحيّة للقرآن أو خُيِّل إليه أنه يطمسها، وَعَدَّها عقلية فقط تجعل المعرفة بالدين لا تقع خارج حدود العقل.

خَلّف مُحَمدٌ – هكذا يقول الدكتور هيكل – هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظلَّ العالم ووجَّه حضارته عدّة قرون مضت، والذي سيُظلُّه من بعدُ ويوجّه حضارته حتى يتمُّ الله في العالم نوره. وإنما كان لهذا الميراث كل هذا الأثر فيما مضى، وسيكون له مثله وأكثر منه من بعدُ؛ لأنه أقَامَ دين الحق ووضع أساس حضارة هى وحدها كفيلة بسعادة العالم. والدين والحضارة اللذان بلّغْمُهَا محمد للناس بوحي من ربه (القرآن) يتزاوجان حتى لا انفصال بينهما؛ ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، واستندت في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين إلى التفكير الذاتي، وإلى المنطق التجريدي (الميتافيزيقي)؛ فلا تزال الصّلة في الإسلام مع ذلك وثيقة بين الدين ومقرراته والحضارة وأساسها (ص: 516).

إنّ حضور القرآن لإبراز تلك الصّلة؛ لهو الذي شَكَّل خصائصها وميزها عن الحضارة الغربية بخصائصها وسماتها التي ترتكز عليها، ولا ترتكز عليها حضارة الإسلام تقوم على حضور القرآن فيها. واختلاف الأساس الذي تقوم عليه كل حضارة ينقض فيهما المطالب والغايات. إنّ الإسلام ليربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي، وبين قواعد العقل وهدى العلم، برابطة لا مفرّ لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها؛ ليظلوا مسلمين وطيداً إيمانهم. وحضارة الإسلام تختلف من هذه الناحية عن الحضارة الغربية المتحكمة في العالم إلي اليوم، كما تختلف عنها في تصوّر الحياة وفي “الأساس” الذي يقوم هذا التصور عليه. وهذا الاختلاف بين الواحدة والأخرى من هاتين الحضارتين جوهرىُّ إلى الحدِّ الذى يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض الأساس الذي تقوم عليه الأخرى.

فقد أدّى النزاع في الغرب المسيحي بين السلطتين الدينية والزمنية أو بين الكنسية والدولة إلى الفصل بينهما، وإلى إقامة سلطان الدولة على إنكار سلطة الكنيسة. وكان لهذا النزاع على السلطان أثره في التفكير الغربي كله. وفي مقدمة النتائج التي ترتبت على هذا الأثر ما كان من تفريق بين الشعور الإنساني (منطق الوجدان) والعقل الإنساني من جهة، وبين منطق العقل المجرَّد ومقررات العلم الواقعي المستندة إلى الملاحظة المادية. وكان لانتصار التفكير المادي أثره البالغ في قيام النظام الاقتصادي أساساً رئيسياً للحضارة الغربية.

هذا هو أهم مَعْلَم حَدَثَ في الغرب، لكنه لم يحدث على الإطلاق في الإسلام؛ إذْ ليس في الإسلام فصلٌ بين الشعور الإنساني والعقل الإنساني العام، وبين منطق العقل المُجَرَّد ومقررات العلم الواقعي، يستند على الملاحظة المادية.

والقرآن نفسه لا يسمح بهذا الفصل التعسفي ولا يحيل العقل الإنساني إلى مجرد آلة مادية تعبد كأنه وثن كما يحدث في التفكير الغربي. ولم يقم فيه كما قامت في الغرب المذاهب المادية تريد أن تجعل كل ما في عالمنا خاضعاً لحياة هذا العالم الاقتصادية. لم يكن في الإسلام، ولا في القرآن، ولا في الحضارة الإسلامية المؤسسة على حضور القرآن فيها ما كان في الغرب حين أراد غير واحد أن يضع تاريخ الإنسانية كلها في أديانها وفنونها وفلسفاتها وتفكير رجالها وعلومها، بوحي ما كان من مدّ وجزر اقتصادي في أممها المختلفة.

ولم يقف أمر هذا التفكير عند التاريخ وكتابته، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة الغربيّة قواعد الخُلق على أسس نفعية مادية بحتة. ومع ما بلغته هذه المذاهب من براعة في التفكير وقوة في الابتكار، لقد أمسكها التطوُّر الفكري في الغرب في حدود المنفعة المادية المشتركة، تُقيم عليها قواعد الخُلق جميعاً، وترى ذلك من المقتضيات المحتومة في البحث العلمي.

فأمّا المسائل الرُوحيّة فهى في نظر الحضارة الغربية مسألة فردية صِرفة، فلا محلَّ لأن يُعنى الناس أنفسهم جماعة بها. ومن ثمّ كانت الإباحة في العقيدة بعض ما قدّسه أهل الغرب، وكانوا أشدّ تقديساً لها من تقديسهم الإباحة في الخُلق، وهم أشدُّ تقديساً للإباحة في الخلق منهم لحرية الحياة الاقتصادية المقيدة بالقانون تقييداً ينفذه الجندي وتنفذه الدولة بكل ما أوتيت من قوة (ص: 517). ومن الصحيح أن نعتقد، وأن يكون هذا الاعتقاد متجذّراً سارياً في ضمائرنا: أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساساً، وتقيم قواعد الخُلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية، ولا تقيم للعقيدة وزناً في الحياة العامة، تقصُر عن أن تمهد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة. بل إنّ هذا التصوير للحياة لجدير أن يجرّ على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الأخيرة. جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحروب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غير مرجو الفائدة. (وللقارئ أن يلاحظ هذه النظرة الاستشرافية فيما بين سطور الكاتب ويقارن بموضوعية بينها وبين ما نحن عليه الآن، والقارئ مرجوُّ أن يأخذ هذا بعين الاعتبار).

فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف – لا القيم العلوية – الذي آكل أنا أو تأكل أنت وتَنَازُعُنَا عليه ونضالُنا في سبيله، قائمة بذلك على أساس القوة الحيوانية في كلِّ منَّا، فسيَظلُّ كل منَّا يرقب الفرصة التي يُحسن فيها الاحتيال للحصول على رغيف صاحبه، وسيَظلُّ كل منَّا ينظر للآخر على أنه خصمه لا على أنه أخوه، وسيَظلُّ الأساس الخُلقي الكمين في النفس أساساً حيوانياً بحتاً، وإنْ بقى كميناً حتى تندفع الحاجة إلى ظهوره. وستظلُّ المنفعة وحدها قِوام هذا الأساس الخلقي، على حين تنزلق عليه المعاني الإنسانية السامية والمبادئ الخُلقية الكريمة: مبادئ الإيثار والمحبة والأخوَّة، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلَق به (ص: 518). وما هو واقع اليوم خيرُ مصداق عملي على تلك السيطرة المادية؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهو بدوره أول مظهر لحضارة الغرب. وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعياً، فالنضال بين الأمم طبيعيُّ كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف. ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثراً محتوماً بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي. أمَا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيُّ، أمَا والاستعمار لذلك طبيعيُّ أيضاً (بشتى ألوان الاستعمار وبكل أشكاله الجديدة) فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟!

إنمّا السلام في عالم هذا أساس حضارته حُلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سرابٌ كذوب.

تلك هى – كما ترى – ثمار الحضارة الغربية على طول تاريخها. وتلك هى ثمار غرسها وسيطرتها على أرجاء هذا العالم الحيران، تقوم على الأساس المادي، وتجعل النظام الاقتصادي أول المظاهر الذي يُحقق للإنسانية الخير والتقدُّم (لاحظ العلاقة اليوم بين أمريكا والصين وقارن).

ولم تكن حضارة الإسلام تتأسس على هذا الأساس، ولم يكن تصوّرها يخرج عن حضور القرآن الفاعل فيها، أو يخرج عن حضور تعاليمه الخلقية والروحيُّة المقرّرة لربط الدين بالحضارة لا باتجاه النظر إليه معزولاً عن الفعل والعمل والتأثير، ولا عن المبدأ العقدي الموصول دوماً بتغذية قيم “الوجود الروحي” في الإنسان على التعميم.

القرآن معجزة عقلية روحية معاً:

لم يكن “الجابري” الذي وضع القرآن تحت سيطرة العقل المنطقي الاستدلالي أو التجريبي الواقعي وجَرّدَه بالمطلق عن قيمه الروحيّة، وجعل الأول يدور في فلك الثاني، ففصل الشعور عن منطق العقل بهذا المفهوم؛ بالذي يعي خطورة هذا كله، أو هو قد وعاه ولكن تجاهل خطورته، ولا كان بالذي يدرك الأساس الروحي والخلقي للحضارة الإسلامية تقوم عليه. ولم يكن القرآن – بادي الرأي عندي – معجزة عقلية وكفى، ولكنه معجزة عقلية روحيّة معاً:

تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية، فإذا كان أساس الحضارة الغربية يتقرَّر فلسفياً وفق قواعد الخُلق على أسس نفعية مادية بحتة، فأساس الحضارة الإسلامية يقوم على ذلك الأساس الروحي، يدعو الإنسان إلى حُسن إدراك صلته بالوجود، ومكانه منه قبل كل شئ. فإذا بلغ من هذا الإدراك حدِّ الإيمان، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مبادئ الإباء والأنفة والأخوّة والمحبة والبر والتقوى.

وعلى أساس هذه المبادئ ينظّم الإنسان حياته الاقتصادية. هنا يكون “القرآن” هو الفاعل المؤسس لهذا الأساس الروحي للحضارة الإسلامية؛ فإنّ هذا التدُّرج هو أساس الحضارة الإسلامية، وأساس القيم العلوية فيها كما نزل الوحي بها على محمد، وكما تقرّر في القرآن الكريم. فهى، من أجل ذلك، حضارة رُوحيّة أولاً. والنظام الروحي فيها – لا النظام الاقتصادي – هو أساس التهذيب وأساس قواعد الخُلق. والمبادئ الخُلقية هى أساس النظام الاقتصادي، فلا يجوز أن يُضحىَّ بشيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي.

هذا التصوير الإسلامي للحضارة هو باليقين التصوير الجدير بالإنسانية، الكفيل بسعاتها بلا شك. ولو أنه استقر في النفوس، وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم إيَّاها، لتبدّلت الإنسانية غير الإنسانية، ولانهارت مبادئ ساقطة يؤمن الناس اليوم بها، ولقامت فيهم مبادئ سامية تكُفل معالجة أزمات العالم الحاضر على هدى من نورها.

والناس اليوم، بل وفي كل يوم في كل زمن، في الغرب والشرق، يحاولون حَلّ هذه الأزمات دون أن يتنبَّه أحدُ منهم، ودون أن يتنبَّه المسلمون إلى أن الإسلام كفيلُ بحلّها، فأهل الغرب يتلمسون اليوم، وكل يوم، جدّة روحيّة تنقذهم من وثنية تورطوا فيها، وكانت سبب شقائهم، وعِلّة ما ينشب من الحروب بينهم، تلك عبادة المال. وأهل الغرب اليوم يتلمّسون هذه الجدّة في مذاهب الهند والشرق الأقصى على حين هى قريبة منهم، يجدونها مقرّرة في القرآن، مصوّرة خير تصوير فيما ضربه النبي العربي للناس من مثل أثناء حياته (ص: 519).

وعلى كل هذا الذي تقدَّم، وأبعد من هذا الذي تقدَّم، فكما يكون القرآن معجزة عقلية، يكون كذلك لا أقل من ذلك بل أبعد منه، معجزة روحيّة فيها الشفاء من الشقاء:” ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”. وفيها الإخلاص والنقاء والتسليم لله الواحد الأحد إنْ في الفكر وإنْ في العمل. وهذا التسليم نفسه هو المنقذ من ضلال الوثنية. هذا التسليم هو عينه الطمأنينة القلبيّة، تنتج عن المعجزة الروحيّة للقرآن، حين يتذوقها قلب المؤمن بالله كما أنزلها الله. فقد ضمن الله، وفي ضمان الله منجاة، للذي يجاهد في سبيله أن يساعده بالهدى إلى سبيله:”والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبُلنا”. وإنه ليغير حال الناس حين يغيروا ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم:” إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

هذان النَّصّان يوضحان لنا العلاقة بين الجهد البشري يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح.

وعلى أساس هذه القيم الروحيّة قامت الحضارة الإسلامية: على الدين كما يصوّره القرآن لا كما يُستقى الدين من مصادر خارجة عنه ليست داخلة فيه. فإرادة الله: مصدر الطمأنينة القلبية، ومصدر التسليم بقضائه وقدر، هى الفاعلة في النهاية. وحضورها في قلب الفاعل المؤمن بالله هو الذي يجعل القرآن الكريم معجزةً روحيةً تضافُ إلى المعجزة العقلية أيضاً بما يشكل الذاتية الخاصّة للقرآن.

وبدون إرادة الله لا يبلغ الإنسان بذاته ولا بطاقته العاملة وحدها، ينفقها في العمل المتواصل شيئاً، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد منها العون، ويجاهد في الله ليبلغ رضاه. وقدر الله مع ذلك كله هو الذي يحيط بالناس وبالأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء.

هناك المجاهدة مقرَّرة سلفاً لا مناص منها، وموزّعة على جميع المستويات التي تحملها الطاقة البشرية، سواء جهاد النفس أو جهاد الأعداء، الجهاد الداخلي (الأكبر) أو الجهاد الخارجي (الأصغر). هذه بديهة أولى ثم يتلوها الإيمان بالفعل الإلهي وبالقضاء الإلهي وبقدر الله من خلف حجاب السّبب.

في إطار هذا التصوّر يتحرَّك الفعل الإنساني ويتصل العمل بروابطه المصيرية وبأصالته الشعورية إنْ في النفس وإنْ في الضمير. ولم يكن التعقيب الذي جاء على غزوة أحد حين أرادت حكمة الله أن تكشف عن نفسها من وراء الابتلاء كله، فتبيّن أسباب النصر وأسباب الهزيمة؛ ليسطع فيها تدبير الله كذلك من وراء النصر والهزيمة:”ولقد صدقكم الله وعده إذْ تحسُّونهم بإذنه. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثمَّ صَرفَكم عنهم ليبتليَكم”.

أقول؛ لم يكن هذا التعقيب الذي يُقرر حكمة الله في هذا الموطن إلا للتعريف بسُّنةٍ الله الشاملة، ومردّها في النهاية إلى مشيئته الطليقة وقدره النافذ في الأشياء والأحداث، ومن وراء الأسباب والوقائع.

ليس يمكن للجهد البشري، ولا للطاقة الإنسانية أن تريد ما لا يريد:” إنْ يمسسكم قرحُ فقد مَسَّ القوم قرحُ مثله، وتلك الأيام نداولُها بين الناس، وليعلم الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء. والله لا يحب الظالمين. وليمحِّصَ الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين”. لم يكن سوى تدبير الله ومشيئته وقدره؛ ليتمّ ما يريده من وراء الأسباب والأحداث، ومن خلف حجاب السبب، وهو الأمر الذي لا يسأل عنه سبحانه؛ لأنه شأنه الإلهي الذي لا يُسأل عنه. وتلك هى حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم في النفس إلا باستقراره فيها، واطمئنانها إليه من طريق حضور القيم القرآنية، وتفعيل النفس لها، وتوليها بالرعاية والعناية لحقيقة الفعل الإنساني يتحرك في إطارها حتى إذا ما لزمت المجاهدة المقرِّرة للنشاط الإنساني، وتأكد العمل بمقتضاها، فقد يلزم عنها بالضرورة التوجُّه بالمباشرة إلى وحدة القصد على الإيمان بالمبدأ العقدي، وعلى التسليم بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو عز وجلَّ “الفاعل” على الحقيقة من وراء الأحداث والوقائع: من خلف حجاب الأسباب.

فكما يكون العمل العقلي مقرّراً في القرآن الكريم، وكما يكون أمراً من أوامره، يكون التعلق بالبصيرة النورانية الكاشفة أساس الإيمان بالله، ويصبح قلب المؤمن على أساس هذا الإيمان مُلآناً بالمعرفة المستنيرة بنور الله قصداً؛ فلم يكن “العقل” على هذا الأساس بمعزل عن نور القلب، ولم يكن نور القلب بالذي يدفع حركة العمل العقلي أو يخاصمها؛ ليفصل الإنسان فصلاً تعسفياً أو ليشطره شطراً مبالغاً فيه بين الشعور والوجدان وبين “العقل” بمفهومه المقرّر الثابت في القرآن.

إنّ عزلاً كهذا العزل لا يقيم بناء الإنسان الروحي، ولا يرقى من قيمه الباقية النافعة، فضلاً عن أنه لا ينهض دليلاً شاهداً على قيام الحضارة الإسلامية على هذا الأساس الروحي الذي لا تقوم في القرآن إلا عليه. إنما القيم الدينية العلوية؛ كالتوكل، واليقين، والتقوى، والصبر، والعزيمة، والصدق، تخرج عن مشكاة النور القلبي كما هى ظاهرة الوجود في القرآن؛ لأنها تمثل كونه بالإضافة إلى المعجزة العقلية معجزة روحيّة تشكّل للقرآن ذاتيته الخاصّة، وتبني في الإنسان قيمه الأصيلة؛ لتهيئه لاكتشاف باصرته التي هى فوق طور العقل المحدود وفوق طور المعقول.

وإذا كان “الجابري” قد تعامي عما في القرآن من معجزة روحيّة كانت هذه بعض سماتها وخصائصها، فقد عاد فقال في خاتمة المدخل: التعريف بالقرآن ما نصّه:

“قلتُ في مستهل هذه الفقرة إنّ ما يميز الإسلام، رسولاً وكتاباً، هو خلّوه من ثقل “الأسرار” (Mysteres) التي تجعل المعرفة بالدين تقع خارج تناول العقل، وعليّ أن أعترف الآن أن هناك سراً لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته: إنه هذا الذي عبرنا عنه “بالعلاقة الحميمية” بين الرسول محمد عبد الله وبين القرآن الحكيم” (ص: 433). وفي تقديري أنا، أن هذا الذي لم يستطع عقل “الجابري” اكتناه حقيقته هو بلا شك حدّ التصوف: المعجزة الروحيّة التي تجاهل وجودها في القرآن، وتغافل عامداً عنها.

لم ينظر “الجابري” إلى القرآن نظرة مجملة، محيطة شاملة، ولكنه نظر إليه نظرة قاصرة متجزئة بقصور ما في العقل المحدود وتجزؤ ما فيه من مدراك محدودة ووقف عند هذا الحد لا يتعداه، ولا يريد أن يتعداه، وهجم على من يدرك فوق إدراكه، هجوم التجهيل والسخرية ثم الاستخفاف بالقيم الروحية وإنكارها في مواضع عدة من كتاباته كما فعل في “العقل الأخلاقي” أو في “بينة العقل العربي”، خدمة لاتجاه محدود بحدود ما ينظر فيه. والأدهى من ذلك كله أنه يحملها على القرآن فلا تفترق النظرة الضيقة المتحجرة عن محمولها، ولا تقتصر على الفهم الذي فهمه هو من القرآن وكفى.

وبديهيٌ أن تكون نظرة الجابري ضيقة متحجرة كذلك إزاء التصوف في الإسلام. ومعلومٌ أن كتاباته ترفض “العرفان” رفضاً قاطعاً، وتتخذ لنفسها مسحة نقدية ظاهرة موصولة النسب بالاتجاهات السلفية بمقدار ما تتخذ من النقد الهدّام بصدد التصوف قيمها ومنطلقاتها.

التشدد العقلي كالتشدد السّلفي سواء!

لا فرق فيما بينهما من تحجير الرأي والرؤية، نظرة قاصرة لا تعوّل كثيراً ولا قليلاً على محاولة الفهم لتلك النوازع الوجدانية الخاصّة بتوجهات الصوفية. وبما أن التصوف اتجاه مضاد بطبيعته لاتجاه الجابري العقلاني، فقد صارت النزعة العقلية المفترض فيها أن تكون عميقة وشاملة ومحيطة تنقلب من فورها تحت عشوائية النقض الرافض الهدام إلى سذاجة خالصة في اللامدرك من مفاهيم وتوجهات الحياة الروحية في الإسلام.

لقد لاحظنا فيما تقدّم أنه يقول إنّ العلاقة بين النبي والقرآن علاقة حميمية، وصفها بأنها “علاقة يومية بل لحظية”. وهو عندي وصف صحيح لا يمكن إنكاره؛ لأنها بالفعل علاقة لحظية بل هى علاقة “رُوحيّة” لا وصف لها ولا حدِّ تنتهي عنده. ولكن ليس من المقبول أن يقول في سياق العبارة نفسها عن تلك العلاقة:”ولكنها بقيت تتحرّك دوماً في حدود المعقول، بل كان ذلك في إطار الطبيعة البشرية للرسول”.

كيف هذا؟ ماذا تقول يا رجل؟ هذا التصوّر ضد العقل نفسه، وضد محدوديته، وهل يمكن في طاقة العقل أن يستوعب عمل الوحي؟ وهل كان العقل أساساً هو الوحي؟ وهل الوعي العقلي هو نفسه الوعي النبوي الصادر عن مشكاة الوحي؟ ما هذا التخليط والتخبيط؟

لكأنه يعزُّ عليه أن يصفها (العلاقة) وصفاً روحياً يخالف اتجاهه العقلي مع أنه يراه واضحاً أمامه بما لا مزيد عليه. ثم يقول الجابري متابعاً:” لم يحدث قط أن تحدّث القرآن عن محمد بن عبد الله بما يُشعر أنه من طبيعة غير بشرية: لقد امتدح خُلقه وقيادته، وفي نفس الوقت سجل عليه ملاحظات ومؤاخذات وواجهه بأسئلة فيها لوم وعتاب، ولم يتردد في استعمال عبارات من قبيل “عفا الله عنك لمَ أذنت لهم حتى يتبيّن الذين صدقوا وتعلم الكاذبين” ممّا جاء في سورة التوبة (آية: 43). (مدخل إلى القرآن: ص 430).

وواضح جداً مقدار الكزازة المعرفية والعطب الروحي في التعامل مع القرآن، يقرأه كما يقرأه المستشرقون قراءة مفقودة الذوق خالية منه، مُجرَّد نصّ يخضعه للنظر العقلي المباشر، ويعزله عن مقتضيات الشعور الديني؛ لتكون الآيات في إطاره مجرد عبارات مستعملة من قبيل الملاحظات والمآخذ، كأنه ينظر في نص بشري يجري عليه العمليات النقدية. أفئن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على فقدان الذوق والحماسة الروحيّة والكمون في دائرة محدودة، دائرة المنطق العقلي الاستدلالي يرجع إليها ولا يرتفع فوقها ويظل يلف ويدور في محيطها.

لقد صَرّح “الجابري” أن القرآن لم يكن يُفْرط في مدح الرسول وامتداح مواقفه، بل كان ذلك يتم في إطار الطبيعة البشرية للرسول، وهل قال أحدٌ أن محمداً إله؟ لكن هذا في المجمل صواب جداً فيما لو فهمت العبارات في حدودها وفي مستواها اللفظي الدال على معناها لا فيما تحتها ممّا يريد الجابري أن يحملها ما لم تحتمل. ربما يريد – وهذا واضح – أن ينكر ما جاء في مذاهب الفكر الإسلامي ممّا هو الحال عند الشيعة أو عند الصوفية القول: بقدم النور المحمدي، ولا يعتد أبداً بالأحاديث الواردة في هذا الشأن مثلما كان الحنبلي المتشدّد ابن تيمية (ت 728هـ) وأضرابه ينكرونها؛ فحديث جابر بن عبد الله الأنصاري حين سأل النبي عن أول ما خَلق الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث طويل:”نورُ نبيك يا جابر”. وحديث:”كنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين”، قال فيه ابن تيمية لا أعرف له أصلاً والصحيح:”كنتُ نبياً وآدم بين الماء والجسد”. وجاء في طبقات ابن سعد قوله صلوات الله عليه:”كنتُ أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث”. وعن أبي هريرة مرفوعاً: “كنتُ أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث”. وصَحَّ عن ابن عباس – ممّا جاء من كتاب ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري في شرح حديث البخاري – أنه قال:” أوحى الله تعالى إلى عيسى، عليه السلام، يا عيسى: آمن بمحمد ومُر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا آدم، ما خلقت الجنة والنار، ولولا محمد ما خلقتُ العرش. ولقد خلقتُ العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله, فسكن”. وقال السّبكي بعد ذكر حديث آدم الذي جاء فيه:” أسألك بحق محمد أن تغفر لي، وقوله تعالى، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك”. هذا حديث صحيح الإسناد، رواه الحاكم.

وعليه؛ فجميع هذه الأحاديث وغيرها الكثير تثبت قدم النور المحمدي وتثبت الحقيقة المحمدية وأوليّة النور المحمدي ولا تقدح في بطلان القول بها. ولكن مقدار التشدد السّلفي هو نفسه مقدار التشدد العقلي بالنظر إلى تلك الجهة: التقوقع والانغلاق والتحجير وعدم السماح للأفاق العقلية أن تستوعب ما سواها، مع القطع عندي بالفروق الجوهرية الفارقة بين مذاهب الشيعة وتوجهات الصوفية الروحيّة. أنا شخصياً لستُ منكراً وجود توجهات روحية في الإسلام تدور في هذا الإطار، ولست منكراً كذلك خروجها أحياناً بالمغالاة عن حدود النظر العقلي، لكن وجودها لا يستند على ترهات أو خرافات بمقدار ما يستند على قناعات عقلية وتوجهات ذوقية لا يمكن تجاوزها في سياق النظر إلى الآيات القرآنية، وفي إطار كون القرآن الكريم معجزة روحيّة.

بالطبع؛ أنا لا أناقش هنا مسألة قدم النور المحمدي ولا الحقيقة المحمدية، وليس هذا المقام موضع مناقشة هذه المسائل، ولكني أنوّه فقط إلى خصوصياته عليه السلام، تلك التي لا يقاربها غيره من البشر ممّا أنكره الجابري ودعا الناس إلى إنكاره.

فمن غير المقبول أن يقال: إنّ القرآن لم يحدث قط أن تحدّث عن محمد بن عبد الله بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية، ثم يُراد لنا أن نفهم من وراء هذا القول قصور الرؤية كما قصرها الجابري على الناحية العقلية حتى ولو كان في ذهنه أن محمداً عليه السلام لم يكن كالسيد المسيح، منكراً كل التوجهات الروحية في الإسلام. ليس هذا بالقطع هو المبرر لإنكار الجانب الروحي في التفكير الإسلامي والأخذ منه بالعقلاني الذي تتحرك العلاقة الحميمية فيه بين محمد والقرآن في حدود المعقول. مع أن هذا المعقول نفسه يفرض التخريج الذوقي كما يقتضي التأمل وفق مقتضيات الشعور الديني باتجاه النظر إلى الآيات القرآنية.

القرآن يقول: ” قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين “. فإذا كان القرآن هو الكتاب المبين فالنور هو سيدنا محمد رسول الله. سماه النور، وسماه السّراج المنير، “وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً”. وسمّاه القرآن الإمام المبين:”وكل شئ أحصيناه في إمام مبين”. فالحقيقة المحمدية في بعدها الروحي لا بعدها الزمني فقط مُقرَّرة في القرآن بنص القرآن، فلا يكفي أن يقال إنه لم يحدث قط أن تحدَّث القرآن عن محمد صلوات الله وسلامه عليه بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية؛ وهل كان النور والإمام المبين والسراج المنير فضلاً عن الخلق العظيم طبيعة يتصف بها كل البشر أم الصحيح أن يقال أن هنالك خصوصية له صلوات الله وسلامه عليه لا يدانيه البشر فيها هى لب لباب العلاقة الحميمية بينه وبين القرآن، وهى التي لم يستطع عقل الجابري أن يكتَنِه أسرارها؟!

إذا شئت فانظر في الحديث الشريف من أنه كان صلوات الله عليه يواصل الصوم؛ فأراد أصحابه عليهم السلام أن يواصلوا مثلما كان يواصل؛ فشق عليهم مواصلة الصوم، فنهاهم عليه السلام أن يواصلوا وقال قولته الشريفة: “إنِّي أبيتُ عند رَبِّي يطعمني ويسقيني”. وفي معناه أيضاً: “إنَّ لي هيئةُ ليْسَتْ كهيئتكم”. فمن المؤكد أن هذه الهيئة النبوية المباركة لها استعداداتها التي لا تتساوي معها استعدادات أحد غيره ممّن تحتملها الطبائع البشرية، ولو كان هذا الغير من صحابته عليهم كرائم الرضوان. وقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقول:” إِنَّهُ ليُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَاسْتَغفر الله فِي اليَوم سَبْعِيَن مَرَّة”؛ أتراه يستغفره من “غين الأغيار”؟ لا والله بل من “غين الأنوار” يستغفر:

غين الأغيار علائق مادية وكزازات نفسانية تستشعرها الروح الدنيا السفلية على الدوام، يستشعرها البشر كل البشر، ولكن لا تستشعرها الخصوصية النبوية ولا تقارب الوعي النبوي، وغين الأنوار علويٌ هو، فيه تتوتَّر الروح لأنها في حالة عروج دائم، في حاله اتصال مع الله هى نفسها العلاقة الحميمية بين محمد والقرآن، تلك التي لم يستطع عقل الجابري أن يغذوها. وبفراق الجسد للروح تتحرّر من حَبْسها فيه؛ فإنّ الشعور هنا بالفناء يعطي الروح نوراً لترى ما لم تكن تراه وهى حبيسة في أخلاط الكثافة الظلمانية (= غين الأغيار بالتعبير النبوي): كثافة الأجساد التي كانت تعيق رؤيتها وتحيطها بالغشاوة والحجاب.

هذا “الغين” الذي أوجب رسول الله صلوات الله عليه منه الاستغفار لأمته. أمّا استغفاره هو؛ فمن “غين الأنوار” لا من “غين الأغيار”؛ لأن هيئته ليست كهيئة أحد غيره. ولا خصوصيته مع ربه كسائر البشر، فهو يستغفر من غين الأنوار، وهو يواصل الصوم لأنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، وليس من حق أحد في خصوصياته مع ربه صلوات الله عليه أن يستوي معه أو يدعي مجرد ادّعاء لا يقوم عليه دليل أن القرآن لم يحدث قط أنه تحدث عن محمد بما يشعر أنه من طبيعة غير بشرية. نعم! هو بشر لكنه ليس ككل البشر، بل كالياقوتة بين الحجر، له خصوصياته مع ربّه، له التعزير والتجليل والتكريم والتوقير بما ليس للبشر أن يكونوا مثله.

تصنيف وسطاء الفوركس 2020:
  • FinmaxFX
    FinmaxFX

    أفضل وسيط فوركس لعام 2020!
    الخيار الأمثل للمبتدئين!
    تدريب مجاني!
    حساب تجريبي مجاني!
    مكافأة على التسجيل!

مكتبة التاجر
Leave a Reply

;-) :| :x :twisted: :smile: :shock: :sad: :roll: :razz: :oops: :o :mrgreen: :lol: :idea: :grin: :evil: :cry: :cool: :arrow: :???: :?: :!: